حكومة تسيير لا شريك في التدبير
التشكيل السريع لحكومة السيد عبد المجيد تبون مباشرة بعد صدور التقرير النهائي للمجلس الدستوري وتنصيب البرلمان الجديد، يفيد أن القرار كان جاهزا حتى حين كان السيد سلال يدير مشاورات مع الأحزاب بعنوان توسيع قاعدة الحكومة، وكأن الرئيس قد استبق رفض المعارضة، كما حال دون قيام منافسة بين حزبي السلطة على رئاسة الحكومة وريعها، فاختار لخلافة سلال رجلا مثله قادما من الدولة العميقة، تدرَّج في أحضانها منذ تخرُّجه في المدرسة العليا للإدارة في 1969 وطاف بمعظم إداراتها كوالٍ ثم كوزير للداخلية، والاتصال، والسكن والعمران.
ثم أن الحكومة الجديدة جاءت بصيغة التعديل الوزاري الموسع مع احتفاظ عدد من المقربين بحقائبهم مثل: الداخلية والعدل، وترقية مساهل لرئاسة وزارة موحدة للشؤون الخارجية، فيما شمل التغيير جميع الوزارات الاقتصادية: المالية، والطاقة، والصناعة، والفلاحة، والتجارة، بتعيين تقنوقراط من القطاع (الطاقة والمالية) والاستعانة بولاة تكون الرئاسة قد ثمَّنت جهودهم في تنفيذ البرنامج الرئاسي على أكمل وجه مثل: ولاة وهران، تلمسان، البليدة، وعنابة، وهي التفاتة خاصة نحو إطارات الدولة في الإدارات الكبرى تفتح أمامهم فرص التوزير خارج مسار الانتماء الحزبي.
وفي مكانٍ ما يكون الرئيس متناغما مع نفسه وسلوكه منذ العهدة الأولى بمحاولة إبعاد البرلمان ـ ومن خلاله الأحزاب ـ عن مسالك تشكيل الحكومة حتى بعد التعديل الدستوري الأخير الذي فتح كذبا شهية الأحزاب، لينهي الرئيس عهدته الرابعة كما بدأها كرئيس متفرِّد بالجهاز التنفيذي بلا شريك، ويكون بتعيين رئيس الحكومة من خارج البرلمان قد وضع حدا لأطماع زعامات حزبي السلطة، كما ردَّ على رفض المعارضة المشارِكة في الحكومة بتعيين عدد من التقنوقراط في رسالة تريد أن تجعل من هذه الحكومة حكومة تسيير لا شريكاً في التدبير، وسف تواصل ـ كما صرح رئيس الحكومة الجديد ـ ما كانت حكومة سلال قد بدأته بشأن واجب تقليص الاعتماد على عوائد المحروقات، وتنويع موارد الدولة بتنويع الاقتصاد.
وعلى خلاف السيد سلال المستهلَك بتنامي صور نمطية سلبية عنه لدى الرأي العام، فإن السيد تبون قد سبقته صورٌ إيجابية سواء لدى الشارع الذي يحسب له ما تحقق في مجال السكن، أو عند رجال الأعمال الذين يحسبون له مواقفه المعلنة بشأن حماية المنتج الوطني، أو عند أحزاب المشهد السياسي وهو الذي تجنَّب إظهار أي ميل سياسي أو عقائدي طوال حياته المهنية، وهو فوق ذلك يحظى بثقة الرئيس وقد مثَّله في بعض المناسبات، ومع أنه يشترك مع سلال وأويحى في الارتباط الوثيق بالدولة العميقة من جهة الالتزام والانضباط، إلا أنه تميَّز عنهما بإخفاء طموحات فوق التي يسمح بها سخاء اليد المانحة متى تشاء في الوقت التي تشاء.
ما هو واضحٌ من هذا التعيين ثم من التشكيلة أنهما لم يخضعا لأي تفاوض أو مساومة أو قسمة، بل تحسب الحكومة بالجملة على الرئيس، سواء من جهة القطاعات السيادية كالدفاع والخارجية والعدل والداخلية، أو من جهة القطاعات الاقتصادية وحتى الخدمية التي أوكلت بالكامل لمسيرين تقنوقراط مجبولين على طاعة صاحب اليد التي تعيِّن وتعزل، وهي لأجل ذلك سوف تحسب نتائجها سلبا أو إيجابا على الرئيس.