الرأي

حلالٌ على أمريكا!

حسين لقرع
  • 4238
  • 4
ح. م

قبل أيام قليلة أدان رئيس الحكومة الليبية فايز السراج التدخل العسكري السّري لفرنسا ضد “داعش” في بلده، وأصدر ضدها بيانا رسميا شديد اللهجة، وحسِبنا أن السراج سيكون وطنيا أصيلا يرفض قطعاً أيّ تدخل عسكري أجنبي ببلده، سري أو علني، ومن أيّ طرف، ومهما كانت المبرِّرات والمسوغات.

ولكن هاهو السراج يناقض نفسه بنفسه ويقوم باستدعاء التدخل العسكري الأمريكي ضد “داعش” في سرت، فما الذي اختلف الآن؟ ولماذا رفض التدخلَ الفرنسي واستدعى بنفسه التدخل الأمريكي؟ ما هو الفرق بين الاثنين؟ لماذا يحرِّم التدخل على فرنسا ويحلِّله لأمريكا؟ أليس الموقف الصحيح هو الرفض القاطع لأيّ تدخّلٍ أجنبي بليبيا؟ ألا يفضح هذا مدى ولاء السراج لأمريكا؟

وفي جميع الأحوال، فقد وقع المحظور وأصبحت ليبيا الآن مرتعاً لتدخُّل بلدان عديدة بمخابراتها وقوّاتها الخاصّة وجنودها… 

ويبدو أن السرّاج لم يستخلص أيّ عبرة من استدعاء الناتو في عام 2011 لضرب القذافي، فها هو يكرّر خطأ الثائرين على العقيد ويجلب بدوره أمريكا للتدخّل في سرت، وهو الذي علّق عليه الشعب الليبي الآمال في إعادة توحيد ليبيا وتقوية سلطتها المركزية ووضع حدّ لخمس سنوات من الحرب الأهلية والانقسامات وتغوّل الميليشيات وتفاقم الإرهاب والفقر وتردّي الخدمات الأساسية..! 

مواجهة “داعش” تتمّ أساساً بتوحيد جهود الليبيين وتجنيد كافة الطاقات الداخلية وتعبئتها، وهنا كان على السراج أن يبذل جهودا مضاعفة لتحقيق هذا الهدف، ولو تطلّب الأمر بعث الحوار مجددا مع كل القوى الرافضة للانضمام إلى العملية السلمية وفي مقدمتها خليفة حفتر وقواته، ففي النهاية الجميع ليبيون وينبغي عمل المستحيل لإنجاح المصالحة وإعادة توحيد القوى الوطنية ورصّ صفوفها لمحاربة “داعش”، فذلك أدعى للانتصار على هذا التنظيم، ولا بأس أن يطالب السراج حينذاك المجتمع الدولي برفع الحصار عن تسليح الجيش الليبي حتى يحقق هذه المهمة؛ أي أن يكون الدعم الدولي مقتصرا على تلبية حاجات الجيش الليبي إلى الأسلحة والمُعدّات العسكرية المختلفة.

أما الاستعانة بالتدخل العسكري الأمريكي المباشر، فهو يحمل مخاطرَ جمّة على أمن ليبيا حتى وإن ساعد قواتِ “البنيان المرصوص” التابعة لحكومة السراج على استعادة سرت؛ إذ أنه سيكون عاملا مساعِدا على استقطاب “داعش” للمزيد من المقاتلين بحجّة “الجهاد ضد الغزو الصليبي” ومن ثمة يتكرر سيناريو المجاهدين الأفغان في ليبيا، وسيجد هؤلاء في صحراء ليبيا الشاسعة وفي صحاري الساحل المجاورة، ملجأ جديدا لـ”إمارة” كبرى مترامية الأطراف تستوطنها على حساب حكوماتها الهشة وجيوشها الضعيفة، ما يضع أمن شمال إفريقيا كلها على كفّ عفريت.

كنا نودّ أن يحرص السراج على تضييق هوة الخلافات بين الليبيين ويضاعف الجهود لإعادة توحيدهم وتقوية السلطة المركزية بشكل يجعل بعدها الانتصار على “داعش” تحصيل حاصل، ولكنه تجاهل كل ذلك وترك الانقسامات تنخر ليبيا وآثر الاستقواء بأمريكا، ولذلك لن تجني حكومته، وككل الحكومات السابقة، إلا الفشل والخسران، وللأسف ستدفع ليبيا ثمنا غاليا لذلك.

مقالات ذات صلة