الرأي

حلب.. هنا تسقط المؤامرة

صالح عوض
  • 4446
  • 0

في حلب الشام تبدو الحياة كما ليست هي في أي مكان آخر على وجه الأرض.. فهنا تعوّد الناس على قهر المستحيل وصناعة الحياة من عدم، وإزاحة الركام لإقامة أبهى بنيان وأعظم صرح.. هنا الفن. فأوتار العود هنا تُعزف كما لا تُعزف في مكان آخر. وهنا جلسات السيدات الحلبيات الرائعات في الأمسيات التي تنثر رياحينها أحاديث تمنح الحياة فرصة أن تكون جديرة بالإنسان.. هنا حلب وهنا خطوات سيدنا إبراهيم نحو بقرته الشهباء يحلبها ويوزع على الأقربين حليبا سائغا للشاربين.. هنا أنجز الحلبيون أسطورتهم في الغزل والنسيج والحلل البهية وأقاموا المصانع والمعامل فكانت المدينة الصناعية الأمثل في الشام كله. ومنح الخالق سبحانه أهلها بسطة في العلم والجسم فكانوا درة البلاد وخيرة العباد.

حلب هذه، لأنها هكذا ما كانت لتسلم في مرحلة غزو الفرنجة سابقا أو لاحقا، لاسيما بعد أن أسقط الأمريكان عاصمة الرشيد وجاسوا خلال الديار وأعلنوا انتصارهم على الأمة في العراق.. حينها التفت الغزاة إلى أيّ البلاد ستلحق بالسقوط فكانت عينهم على الشام وكانت حلب عاصمة الفن والمال والعلم في عين العاصفة فأرسلوا إليها بكل شذاذ الآفاق وبشتى أنواع السلاح.. ونزل في الميدان مستشارون فرنسيون وبريطانيون وألمان وأمريكان وبلغ عددهم عشرات الآلاف يديرون المعركة لتدمير حلب وتهجير أهلها وتفريغها من روحها وجمالها وقوتها.

في عرض البحر المتوسط وقفت البارجة الألمانية ضمن الحملة الغربية لتعطي أحداثيات القوات السورية لمجموعات القتلة والمرتزقة فتلقي بحمم صواريخها وقنابلها ومفخخاتها في جيش سوريا ومصانع حلب وبيوتها مما تسبب في تهجير أكثر من مليونيْ حلبي داخل سوريا وأعداد أخرى خارجها..

الآن تقف الحرب على نهايتها.. تستجمع الدولة قوّتها وينهض المجتمع بروحه ويحاصر الغرباء ويقطع عنهم السبل ويستعد أهل حلب المهجّرون للعودة إلى بيوت قد خُربت ومعالم دُرست ولكن بتصميم فولاذي لإعادة كل شيء كما كان بل أجمل وأبهى مما كان.. الآن تقف الحرب على نهايتها بعد أن أدرك الطيب أردوغان أن الموقف الغربي من الشأن السوري لم يكن من أجل الديمقراطية ولا حقوق الإنسان وأن الغرب الذي تآمر على سوريا هاهو يتآمر عليه ويصنع له انقلابا عسكريا كان سيقوده وجماعته إلى خارج التاريخ.. أدرك أردوغان هذا وهو يواجه مؤامرة الانقلاب كيف أن الإدارة الأمريكية والإدارات الأوروبية وأتباعها في دول المنطقة يطعنونه في الظهر فيما يكبر موقف الدولة السورية في إدانتها الانقلاب، الأمر الذي تمت ترجمته فورا بمراجعة تركيا لموقفها من مجمل الشأن السوري، الأمر الذي انعكس على مجريات المواجهة حول حلب وفيها..

لقد كان صمود سورية بوعي شعبها وصلابة وطنها أمام الجهلة المغفلين المخرِّبين لروح الشعب والمقسِّمين للجغرافيا حاسما في كسر المؤامرة وتبديد أطرافها.. وهاهي الخطوة الأخيرة تصنعها حلب وخلفها سورية بإيقاع الهزيمة الساحقة الماحقة بمشاريع الفتنة، لتعود حلب أحلى وردة وأبهاها في بلاد الشام المباركة تنبض بروح الحياة والعمل والكدح وترانيم موسيقى شجيّة بمواويل تنسكب في الروح تصفيها من الغش والشر…

حلب تُسقط المؤامرة.. هنا تنتصر الدولة السورية، وهنا يعود الشعب إلى حياته الفذة، وهنا تعلن الحياة انتصارها على الموت ليعم السلام وتسري في العروق الدماء بكل محبة ووئام، وتشرّع أبواب المدينة المدماة لأحبابها وأبنائها العائدين من كل صوب يرفعون عنها ركام الخراب ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.. تولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة