-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حميرُ غزة في فرنسا!

بقلم: مهدي العايدي
  • 1870
  • 0
حميرُ غزة في فرنسا!

في دهاليز النفاق الدولي، حيث تُرفع شعارات الإنسانية بيد وتُذبح بيد أخرى، تتجلى قصة “حمير غزة” كوثيقة إدانة صارخة، لا مجرد خبر عابر؛ فبينما يئنُّ أبناء القطاع تحت وطأة عدوان وحصار لا هوادة فيه، ويُدمِّر الاحتلال ما تبقى من معالم الحياة، يُعلن جيش الاحتلال عبر تقارير إعلامية أنه قام بـ”إنقاذ” مئات الحمير، لتُشحَن عبر القارات وتُستقبَل في ملاجئ أوروبية، وتحديدًا في فرنسا وبلجيكا.
إن هذه المسرحية ليست سوى فصل جديد من فصول التطهير العرقي، فبعد أن سلب الاحتلال الأرض، ونهب الثروات، وهدم البيوت، وقضى على البشر، يأتي اليوم ليسرق الحمير التي أصبحت الشريان الأخير للحياة والتنقل لآلاف الأسر الفلسطينية. هذه الحمير ليست مجرد حيوانات، بل هي رمز للصمود، ووسيلة البقاء الوحيدة في مواجهة آلة الحرب التي لا ترحم.
وصلت دفعة الحمير الأولى، البالغة 58 حمارًا، في 20 مايو 2025 إلى جمعية “Le Refuge des Oubliés” في قرية لانجونيت بمنطقة بريتاني الفرنسية، حيث استقبلها القائمون على الجمعية بحفاوة، بينما كان أطفال غزة يواصلون نضالهم المرير من أجل البقاء، بين حصار خانق وتجويع جهنّمي. وقد أثارت هذه العملية موجة واسعة من الانتقادات، واعتبرها نشطاء فلسطينيون سرقة وتجريدًا للسكان من آخر وسائل تنقلهم.

وصلت طائرتان محمَّلتان بحمير أخرى مسروقة من غزة إلى مطار ميتز الفرنسي في 7 أغسطس 2025، مساهِمة بذلك في تجريد السكان من آخر وسائل تنقُّلهم. تحطمت آمال الفلسطينيين في آخر وسيلة تعتمد عليها كثير من الأسر، بينما تنشغل فرنسا -بموافقة ضمنية أو صمت ذليل- بتهريب هذه الحمير إلى ملاجئ مزعومة لـ”الرفق بالحيوان”، حيث تتلقى الرعاية وتتناول العشب، في مشهد يبعث على السخرية المرّة، بينما يموت أطفال غزة جوعًا.

وفي تطور لاحق، وصلت طائرتان محمَّلتان بحمير أخرى مسروقة من غزة إلى مطار ميتز الفرنسي في 7 أغسطس 2025، مساهِمة بذلك في تجريد السكان من آخر وسائل تنقُّلهم. تحطمت آمال الفلسطينيين في آخر وسيلة تعتمد عليها كثير من الأسر، بينما تنشغل فرنسا -بموافقة ضمنية أو صمت ذليل- بتهريب هذه الحمير إلى ملاجئ مزعومة لـ”الرفق بالحيوان”، حيث تتلقى الرعاية وتتناول العشب، في مشهد يبعث على السخرية المرّة، بينما يموت أطفال غزة جوعًا وفقرًا.

روتايو يرحّب بالحمير
لعل أكثر ما يثير الاشمئزاز في هذه القصة هو التواطؤ الذي تجسِّده فرنسا على نحو فاضح؛ ففي الوقت الذي يُشرف فيه وزير الداخلية الفرنسي برونو روتايو، المعروف بمواقفه المتشدِّدة ضد الهجرة، على سياسات تُضيّق الخناق على المهاجرين، وتطرد من البلاد كل من لا يملك أوراق إقامة، نجد بلاده تفتح أبوابها على مصراعيها لاستقبال “لاجئين من الحمير”!
يبدو أن روتايو قد اكتشف أخيرًا أن الحمير تستحق اللجوء أكثر من البشر، فبينما يُطرد الناس بلا رحمة، تفتح لهم أبواب فرنسا معاملة خاصة، فربما تشكّل الحمير تهديدًا أقلّ لأمن الجمهورية! حين يتعلق الأمر بحماية “لاجئي الحمير”، يتحول روتايو إلى فارس الإنسانية، أمّا أمام وجوه البشر الباحثين عن الأمان فلا يبدو إلا كحارس بوابة باردة لا تعرف الرحمة.
ربما يرى روتايو في الحمير نموذجًا أكثر انضباطًا من البشر، فالأوّلون لا يطالبون بحقوقهم، ولا يحتجّون في الشوارع، ولا يهدِّدون الهوية الفرنسية كما يزعم وزير الداخلية الفرنسي، الذي يصر على أن “الحدود الفرنسية ليست ملعبًا للهجرة”، يبدو وكأنه نسي أن الإنسانية لا تفرِّق بين البشر والحمير، أو ربما هذا هو التمييز الفرنسي الجديد.

دعاية ونفاق
إن ما يُسمى “الإنقاذ” هو في حقيقة الأمر سرقة مغلّفة بأردية إنسانية مزيفة، فبقبولها هذه الحمير، لا تصبح فرنسا مجرد شريك في هذه اللعبة الدعائية، بل تُقدّم خدمة جليلة للاحتلال، وتُبرِّر جرائمه، وتُضفي شرعية زائفة على أفعاله غير الإنسانية.
هذا الحدث، وإن كان يبدو غريبًا، إلا أنه يُعدُّ انعكاسًا صادمًا لتلك المنظومة الدولية التي ترفع شعارات حقوق الإنسان والحيوان، بينما تُغمض عينيها عن المجازر، وتُبرِّر العدوان، وتُقايض كرامة الإنسان بقيمة الحمير.. فماذا بعد أن تُصبح الحيوانات لاجئين، وتُدفَن كرامة الإنسان تحت أنقاض النفاق الدولي؟
بينما تُصبح الحمير “لاجئين” في أوروبا، ويُجرَّد البشر من حقوقهم الأساسية، نرى إلى أي حد يمكن أن يصل الانحطاط الأخلاقي والسياسي لداعمي الاحتلال، الذين لا يكتفون بسرقة الأرض والإنسان، بل يسرقون حتى وسائل الحياة البسيطة التي تبقى للفلسطينيين. يبدو أن التواطؤ لا يعرف حدودًا، وأن الدعم قد ينحدر إلى مستويات أقل ما توصف به إلا بالعبث والخذلان الإنساني.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!