ما لا يقال
حول ماذا يتشاورون؟
حين اختارت الهيئة الاستشارية يوم السبت موعدا لانطلاق عملها أدركت لماذا اختارت التنسيقية الوطنية لتغيير الموعد نفسه للمظاهرات، ولكن السؤال الذي أبحث عن إجابة عليه هو حول ماذا يتظاهرون يوم السبت وحول ماذا يتشاورون؟
-
شهر لاستقبال 250 مدعو؟!
-
لو أن هيئة عبد القادر بن صالح الاستشارية تلتقي يوميا أربعة مدعوين لتطلب منها ذلك أكثر من شهرين (62 يوما)، ولكنها مجبرة على تقديم تقريرها للرئيس بوتفليقة قبل نهاية شهر جوان. فماذا عليها أن تفعل؟ فهل تعود إلى الطريقة التي استخدمتها “لجنة الحوار” التي كان يرأسها العقيد يوسف الخطيب والتي كان من أبرز أعضائها يومئذ عبد القادر بن صالح والعقيد “المتقاعد الموظف” محمد تواتي؟
-
لجنة يوسف الخطيب كان هدفها سد الطريق على عبد العزيز بوتفليقة حتى لا يتسلم الرئاسة عام 1994. أما هيئة عبد القادر بن صالح فإن أهدافها غير معلنة، لكن العارفين بالشأن الجزائري يزعمون أنها ستسوق لـ (الرئيس) الذي يخلف بوتفليقة في رئاسيات 2014 والدستور شبه الرئيس الذي يوفر لمرشحها الوصول إلى المرادية. وإذا كان الرئيس بوتفليقة اختار العقف عن المسلحين والمصالحة فإن الرئيس القادم يستكمل المهمة في عفو من نوع آخر لا علاقة له بالمصالحة بقدر ما له علاقة بـ (الجريمة الاقتصادية والفساد)
-
الهيئة الاستشارية منشغلة باستقبال الأحزاب والمنظمات الوطنية والتنظيمات الطلابية والحركات الشبانية والنقابات وحتى الشخصيات الوطنية التي ترشحت لرئاسيات سابقة، والخلاصة تقدم في شكل أرقام لصالح التغيير المرتقب في الدستور ليقدم إلى البرلمان بغرفتيه بعد الانتخابات التشريعية للعام القادم 2012.
-
وإذا تم الاستفتاء على الدستور بعد التشريعات فذلك لأن التغيير مستبعد بعد إجراء الانتخابات، وموازاة مع هيئة عبد القادر بن صالح هناك لجنة بوزارة الداخلية تستقبل اقتراحات الأحزاب المعتمدة المتعلقة بقانون الأحزاب والانتخابات واللجنة المستقلة للانتخابات.
-
والحقيقة التي لا يراد قولها هو أن الفصل بين مضمون الدستور وقوانين الأحزاب والانتخابات واللجنة المستقلة غير ممكن، فكيف يمكن لهيئة عبد القادر بن صالح أن تنسق مع وزارة الداخلية؟
-
-
ماذا لو تتشاورون مع الشعب؟
-
هل الاستشارات الجارية مع الطبقة السياسية والمجتمع المدني لنقل انشغالات المواطنين إلى السلطة أو التشاور بين “هيئة أركان السلطة” أم ماذا؟ المؤكد أن الأعمال ليست بالنوايا، والأكثر تأكيدا أن ما يجري هو “مونولوج” في عرض مغلق، كما ذهب أصحاب الألسنة الطويلة. ولكن ما العمل؟ الجزائر من أكثر البلدان العربية التي فيها أساتذة في القانون الدستوري، ويفترض إنشاء لجنة قانونية تسن ثلاثة دساتير لثلاثة أنظمة حكم ليختار الشعب عبر الاستفتاء النظام الذي يريده، لا أن يفرض عليه دستور واحد.
-
هناك النظام البرلماني وله مزايا كثيرة ولكنه لا يخلو من نقص، وهناك نظام رئاسي له مزايا ولكنه لا يخلو من نقص، وهناك، نظام شبه رئاسي ضرره أكثر من نفعه.
-
وعلى الأطراف المساندة لكل نظام أن تقوم بحملتها والدستور الذي يقتنع الشعب به يصوت عليه، وبالتالي نطوي ما يقرب من نصف قرن (1962 ـ 2011) من البحث عن النظام الذي يريده الشعب.
-
المؤكد أن الدستور الحالي الذي هو مزيج من الدساتير الثلاثة السالفة الذكر لا يستطيع أن يحقق ضمانا لمستقبل الجزائر، ودون التعجيل بالاستفتاء حول النظام السياسي المقترح عبر ثلاثة دساتير ثم إجراء انتخابات تشريعية لا يحدث التغيير من الداخل وإنما يتطلب تغييرا من الخارج، وهو الذي لا يستطيع أحد التكهن بنتائجه أو توقيته أو من سيكون وراءه.
-
ولو كانت هناك “نية” في التغيير لقامت السلطة بالنقل المباشر للمشاورات أو الاستشارات حتى لا يتحول عبد القادر بن صالح إلى “ساعي بريد” على حد تعبير أحد قادة التنسيقية الوطنية للتغيير، أو تتحول الهيئة الاستشارية “مركز بريد” لاستقبال شكاوى “مجتمع الموالاة والمساندة” لنظام الحكم القائم.
-
النفاق السياسي
-
يبدو من اللقاءات المرتقبة بين زعيم الأرندي بوفده مع عضو قيادي من حزبه وهو عبد القادر بن صالح في مقر الهيئة الاستشارية بالمرادية أن حزب أحمد أو يحيى سيكون مشروعه “الرئاسي” الأوفر حظا من اللقاء المرتقب مع زعيم جبهة التحرير الوطني الذي تمارس عليه ضغوط حزبية لـ “تقزيمه” أمام غريمه حزب الأرندي. لكن ماذا يقول عبد العزيز زياري حين يرافق رئيسه بلخادم لمنافسه عبد القادر بن صالح الذي يمثل الرئيس؟ هل ستكون المجاملة هي الخطاب المشترك أم النفاق؟ الاعتقاد السائد عندي أن وضعية أبو جرة سلطاني أمام هيئة بن صالح هي دعم للرئيس قبل أن تكون دعما للحزب، والحملة التي يقودها البعض ممن أخفوا ملف التزوير في تشريعيات 2007 وامتنعوا عن نشره تزيد الحزب قوة.
-
وإحقاقا للحق فإن سلطان أديب وكاتب قبل أن يكون سياسيا أو “رجل دين”، وهو يعرف بإنتاجه الفكري والسياسي مثلما يعرف الشيخ جاب الله بكتبه السياسية والدينية، أما بقية رؤساء الأحزاب فالحديث عنهم ذو شجون.
-
وفي الوقت الذي لا نعرف فيه مواقف الأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية من الثورات العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا وغيرها هناك أسماء جديرة بأن نثمن مواقفها مما يحدث، فأبوجرة هو الوحيد الذي يستبعد العامل الخارجي من الثورات العربية، وعبد الحميد مهري هو الشخصية الوطنية الأكثر وضوحا في مواقفه العربية، ويأتي بعدهما كل من الشيخ عبد الله جاب الله وموسى تواتي. أما بقية الأحزاب فإن مواقفها هي مواقف السلطة.
-
وموقف السلطة واضح وهو الحفاظ على بقائها بـ “التخويف” من الحرب الأهلية والانقسامات والإرهاب وغريها.
-
والسؤال يبقى مطروحا حول ماذا تيشاورون في هيئة استشارية رموزها من رموز لجان الحوار في المرحلة الانتقالية الماضية؟