حياة في باريس وموت في صنعاء
لا جدال في أن من قتل نفسا ـ حتى ولو حدث هذا في باريس ـ فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها ـ حتى ولو حدث هذا في صنعاء ـ فكأنما أحيا الناس جميعا، ومع ذلك، لاحظنا أن شعوب الغرب، ولا نقول حكامها فقط، مازالت تعتبر نفسها أحسن من بقية الشعوب، وخاصة شعوب بلاد العرب والإسلام وإفريقيا، والأمرّ والأدهى، أن بعض شعوب هاته البلاد، هي أيضا، تعتبر نفسها أقل شأنا من أبناء الغرب، ليس في الحياة فقط، وإنما أيضا في الموت.
ففي نفس يوم الأربعاء، عندما “كان رشاش الشقيقين كواشي” –ربما– يقتل اثنتي عشر فرنسيا في قلب مدينة باريس، كانت قنبلة في صنعاء اليمنية ترسل قرابة أربعين شخصا أغلبهم من الطلاب، إلى الحياة الأخرى، بين متفحم ومتناثر الأشلاء، في مشهدين إجراميين، ولكن الأكثر بشاعة، بكل المقاييس، هو ما حدث في صنعاء، ومع ذلك تناسى العالم المأساة الثانية، وخشع مع المأساة الأولى، إلى درجة أن الناس حفظوا أسماء قتلى صحيفة شارلي إيبدو وسيرهم الذاتية، وهم لا يعرفون لحد الآن حتى عدد قتلى وجرحى تفجير كلية الشرطة في صنعاء.
من حق فرنسا أن تحزن على موتاها، وتتابع المجرمين بهذا الحزم، من طائرات ومساندة دولية غير مسبوقة، ومن حقها أن تحافظ على أبنائها، وتقيهم من أي احتمال لحدث مشابه في المستقبل، ولكن من الواجب على العالم، ألا يجعل الموت أيضا درجات، بعد أن جعل الحياة درجات، فقد مات في الجزائر ما لا يقل عن مئتي ألف شخص في العشرية السوداء، ولا أحد همّه الأمر، بما في ذلك بعض الجزائريين الذين هزّهم العمل الإرهابي الذي طال صحيفة شارلي إيبدو.
لقد قيل دائما إن تفوّق الغرب على بقية بلاد العالم، إنما تحقق بالاستثمار في الإنسان، والدفاع عنه، من فترة ما قبل المهد إلى ما بعد اللحد، والصور التي صنعها الباريسيون، من المفروض أن تصبح نموذجا نقتدي به، فقد قتلت الشرطة الفرنسية العشرات من المهاجرين، ويسقط في الجزائر العشرات من القتلى بين الإجرام والإهمال، ومختلف الحوادث، ولكن الدولة والشعب معا يبدون لا مبالاتهم، أو ربما عجزهم عن توفير الحياة الكريمة والعزيزة، التي خلق لأجلها الإنسان.
لقد بدأت فرنسا حياة جديدة، بعد أن انتهت حياة اثنت عشر فرنسيا برصاص الأخوين كواشي، ولا أحد يعلم أين ستنتهي هذه الحياة الجديدة، فالرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند قال منذ شهر، بأن فرنسا في حاجة إلى وازع وطني، يعيدها إلى قمة العالم، وهذا ما حوّل أزمتها في لمح البصر إلى هِمّة، بينما انتهت اليمن مباشرة بعد مقتل طلبتها، كما انتهت بقية البلدان، مثل العراق وسوريا والسودان وليبيا والجزائر، التي كلما مات فيها شخص، لم يتحرك أحد، ومات فيها اثنتا عشرة وما تحرك شخص واحد، وبلغ عدد القتلى عشرات الآلاف ولا أحد تحرك، ومعروف في كل الأديان، بأن الذي لا تهمه الدنيا، لا يمكن أن تهمه الآخرة، والذي يخسر أولاه، لا يمكن أن يفوز بأخراه.