حيل “المحرم” و”الرفقة الآمنة” تلغم فريضة الحج!
تطرح الرفقة الأمينة في الحج بالنسبة إلى المرأة التي فاقت سنها 45 عاما، إشكالية كبيرة بين الجزائريين والجزائريات، لاسيما اللواتي يزرن بيت الله الحرام لأوّل مرّة، فبين الشروط الإدارية المسقطة للمحرم بعد 45 عاما وبين الأحكام الشرعية المتمسكة به إلا في الضرورة القصوى، يبرز الجدل العميق في مجتمع يرفض الحج دون محرم.
“الشروق” استقصت رأي الإداريين والعلماء في القضية التي أحدثت لغطا كبيرا في المدة الأخيرة، لاسيما بالنسبة إلى بعض الحالات الشائكة التي استعصى عليها الأمر.
يستند الكثير من الرافضين لإسقاط المحرم إلى حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: “لا يحل لامرأة تؤمن بالله وباليوم الآخر، تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم”.
غير أن الرأي الأخر المناقض للرأي الأول يستند في تبريراته إلى انتفاء وجه العلة في سفر المرأة لوحدها ورخص بعض الأئمة كمالك والشافعي في سفرها للحج الواجب، حيث نظروا إلى العلة من اشتراط المحرم وهي الخوف عليها، فإذا فقد الخوف على المرأة الذي من أجله اشترط المحرم، بأن كانت المرأة ثقة في نفسها ومع نساء ثقات، أو كانت كبيرة أو في مجتمع حاشد كالطائرة، فلا حرج حينئذ في سفرها دون محرم مادام الخوف عليها منتفيا.
نساء يحرمن من الحج بسبب غياب المحرم
حرمت العديد من النساء من الحج إلى بيت الله، رغم فوزهن في القرعة والسبب هو إصرارهن على السفر بمحرم، غير أنهن للأسف لم يستوفين الشروط الموضوعة من قبل الوصاية، لا سيما ما تعلق منها بضرورة إقامة المحرم في نفس البلدية التي تقيم فيها المرأة أو عدم وجود محرم قادر ماديا وبدنيا على الانتقال إلى الحج.
فئة أخرى من النساء حرمت من الحج بسبب ورود اسمهن في آخر القرعة ما حال دون تمكنهن من اصطحاب مرافق وعليه، فإن المنظمين كرروا العملية مرارا إلى أن ظهر في القرعة اسم رجل ما لا يلزمه اصطحاب شخص آخر معه.
وعلّق منظمو القرعة على الأمر بأنه خارج عن نطاقهم وأنهم ملزمون بتطبيق إجراءات إدارية لا أكثر ولا أقل.
محمد مكركب: منع المرأة الحاجة من محرمها لا علاقة له بالأصول الشرعية
وفي السياق، أوضح الشيخ محمّد مكركب أن الرفقة الأمينة تكون للمرأة “الصرور” وهي التي عليها حجة الفرض ولم تجد إلى المحرم سبيلا سواء بسبب مانع مادي أم غيره.
وأوضح الشيخ مكركب أن جموع العلماء في الجزائر تستند إلى ما أفتى به الإمام مالك بخصوص جواز السفر مع الرفقة الأمينة بالنسبة إلى المرأة المأمونة في حجة فرضها وليس بقية الحجات التطوعية.
وأضاف أن حج التطوع لا يجوز فيه للمرأة السفر إلا مع محرم لها، والأوجب والأصح أن تحج المرأة مع محرم لها إذا كانت مستطيعة استطاعة مالية وغيرها.
ونبّه الشيخ مكركب إلى أن ما يحدث من حالات منع لاصطحاب محرم لا علاقة له بالأصول الشرعية والفقهية وإنما هي اجتهادات إدارية تنظيمية.
سليم محمدي: الرفقة الأمينة توفيق بين النص القانوني والنص الشرعي
من جهته، سليم محمّدي، إمام المسجد الكبير ومفتش بوزارة الشؤون الدينية، قال إنّ الرفقة الأمينة توفيق بين النص القانوني والنص الشرعي، وأرجع المتحدث ما يحدث من اختلالات وشكاوى بخصوص منع المرأة من محرمها إلى عدم اتباع المرأة المسجلة في قرعة الحج للإجراءات المعمول بها، وهي تسجيل محرمها معها وبذلك تفتك حقّها بقوّة القانون.
وفصّل محمدي في الأمر أكثر عندما قال إن المرأة عندما يبرز اسمها في الفائزين فإنها تعادل مكانين ولها الحق بقوة القانون في اصطحاب محرمها معها دون أن يمنعها من ذلك أحد، أما إن لم تذكر محرمها أثناء التسجيل فهذا خطأ إداري منها لا تلوم فيه إلا نفسها.
وأضاف محمدي أنّ النص الشرعي يسر على المرأة غير القادرة الحج في إطار الرفقة الأمينة شريطة أن يتوفر الأمن فعلا وأن يتوفر من يسهر على حمايتها ورعايتها والأفضل أن يكون ذلك ضمن مجموعة من النساء اللواتي سافرن مع محارمهن.
فارس مسدور: الأصل في الشرع التيسير ولا نضيّق واسعا
أوضح فارس مسدور، الأستاذ الجامعي والإمام بمسجد علي بن أبي طالب، أن الدين الإسلامي لا يضيق واسعا ومن حق المرأة التي تعذّر عليها الحصول على محرم السفر في رفقة أمينة، غير أن الأصل أن يكون السفر بمحرم.
والمقصود، حسبه، بالرفقة الأمينة هي توفر الحماية والرعاية لهذه السيدة المسافرة مع غيرها والحرص على مرافقتها في مناسكها بما يضمن لها الأمن ويجنبها الخوف، ويشترط أن يكون المرافقون من الأتقياء والصالحين.
وقال إن إسقاط المحرم لمن تتجاوز سنها 45 عاما لا يعدو كونه إجراء إداريا تنظيميا ارتكز على فتوى لبعض المذاهب قصد تمكين أكبر عدد من الجزائريين من الذهاب إلى الحج، نظرا إلى محدودية الأماكن المسموح بها.
رئيس بلدية القبة: رجال محارم لأخواتهن وأمهاتهن وزوجاتهن لمضاعفة الحظوظ
أوضح رئيس بلدية القبة في حديثه إلى “الشروق” أن البلدية طرف إداري وتنظيمي فقط في قرعة الحج وأنها تطبق التعليمات والحصص المنصوص عليها من قبل وزارة الشؤون الدينية.
ولفت لعجايلية الانتباه إلى أن فوز المرأة في القرعة يعادل مكانين في الغالب، فأغلب الحالات تسجل محرمها معها وهو ما بات نوعا من المراوغة من قبل كثير من الرجال الذين يسجّلون أنفسهم بصفة مستقلة ويعاودون تسجيل أنفسهم كمحارم لأمهاتهم وأخواتهم وزوجاتهم وبناتهم وذلك قصد رفع حظوظهم في الفوز، غير أن الأمر يقلص حظوظ كثير من المسجلين الآخرين حيث تختزل حصة 40 منصبا مثلا إلى 20 فقط في حال فوز 20 امرأة.
ويضيف رئيس بلدية القبة بخصوص بعض الحالات المستعصية التي يصادفونها نادرا أنهم يتخذون بشأنها الإجراءات الإدارية المناسبة، مستشهدا بحالتين لسيدتين تعذر عليهما الحج الموسم الفارط بعد فوزهما ومنهما سيدة كانت في عدتها بعد وفاة زوجها فما كان من البلدية إلا إدراجهما في قائمة الموسم الحالي بواسطة رخصة استثنائية لكن دون محرم بما أنّ سنهما فاقت 45 سنة، وبذلك الحج في إطار الرفقة الأمينة والبعثات الرسمية لبلادنا.
إسقاط المحرم لمن فاقت 45 عاما.. إجراء إداري سعودي
أكد العديد من المتدخلين وكذا مصدر من ديوان الحج والعمرة أن العمل بإجراء الرفقة الأمينة هو إجراء فرضته العربية السعودية في إطار الإجراءات التنظيمية لعملية الحج بناء على فتاوى واجتهادات لأئمتها ومشايخها.
ومن بين الشروط المذكورة لقبول تسجيل المرأة في قرعة الحج في بلادنا هو الاشتراط على المرأة الراغبة في التسجيل مع محرمها الشرعي أن يكونا مقيمين معا في نفس البلدية مع إجبارية المحرم الشرعي للمرأة البالغة سنها أقل من 45 سنة، أما المرأة البالغة سنها أكثر من ذلك، فيمكنها التسجيل مع محرمها الشرعي أو لوحدها.
ويشترط على المرأة الراغبة في التسجيل مع محرمها الشرعي أن يسجل الاثنان معا عبر شبكة الإنترنت فقط أو بالبلدية فقط، كما يجب أن يكون المحرم الشرعي مسجلا مسبقا حتى يمكن للمرأة التي تسافر معه أن تسجل، كما يتعين أيضا خلال عملية التسجيل ذكر عدد التسجيلات السابقة والمتتالية خلال عشر سنوات الأخيرة.


