الرأي

حينما يتحوّل شعار “اقفز تعيش” إلى نظام حياة!

سلطان بركاني
  • 1105
  • 0

الدّنيا حلوة خضرة، لكنّ الإنسان مهما جرّب من متعها ولذّاتها، ومهما جمع فيها من أموال وبنى من دور وأعلى من طوابق واقتنى من مراكب، فإنّه لن يجد أهنأ لروحه وأسعد لقلبه وأريح لباله، من أن ينظّم وقته ويرتّب حياته ويستقيم على طاعة الله… لن يجد أشرح لصدره من أن يحافظ على صلاته، ويعطّر أوقاته بتلاوة كتاب ربّه، ويرطّب لسانه بالذّكر والاستغفار والصّلاة على النبيّ المختار، ويحرص على لقمة الحلال، ويمسك لسانه ويده عن أذية النّاس من حوله ويكبح جماح نفسه عن أخذ حقوقهم؛ يُنقص من حقّه إن اقتضى الأمر، ويَرجع خطوات إلى الوراء إن استدعى الموقف، حتّى لا تقع يده على شيء مهما كان يسيرا من حقوق الآخرين.

على هذه السّيرة عاش الصّالحون من عباد الله؛ فلم يكونوا يتنافسون فيمن يحوز ويأخذ أكثر، بل يتنافسون في أيّهم يسبق إلى التنازل ليأخذ العوض والجزاء الأوفى عند الله.. في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: “اشترى رجل من رجل عقارا له، فوجد الرّجل الذي اشترى العقار في عقاره جرّةً فيها ذهبٌ، فقال للبائع: خذ ذهبك منّي، إنّما اشتريت منك الأرض، ولم أبتع منك الذّهب، وقال الذي له الأرض: إِنّما بعتك الأرض وما فيها، فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولدٌ؟ قال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر: لي جاريةٌ، قال: أنكحوا الغلامَ الجاريةَ وأنفقوا عليهما منه وتصدّقا”.

لك -أخي القارئ- أن تتأمّل الموقف السّابق، وتقارن به ما عليه واقعنا في هذا الزّمان؛ يوم أصبح شعارنا، إلا من رحم الله منّا: “اقْفَزْ تعيش”! “ازرب قبل ما يطفّروها فيك”، وأضحى القريب ينازع قريبه ويجرّه إلى المحاكم ويعاديه، وربّما يشهر في وجهه الأسلحة البيضاء، ويصل الأمر إلى إزهاق الأرواح، بسبب أمتار من الأرض، تنازعا فيها، هذا يقول: أنا صاحب الحقّ، والآخر يقول: الحقّ كلّه لي! لا أحد منهما يفكّر في ما عند الله، أو يتذكّر أنّ هذه الدّنيا فانية، وأنّه عمّا قريب يرحل ولا يأخذ معه من الأرض مترا ولا شبرا واحدا.. ينازع الجار جاره لأجل أمتار معدودة بين سكنيهما، وتصل الأمور بينهما إلى السّباب واللّعان والخصام والمحاكم… تجد كلّ واحد منهما يملك ما يكفيه ويكفي أبناءه ويزيد، لكنّهما يتنازعان لأجل ثلاثة أمتار أو أربعة بينهما، كلّ منهما يريد أن يأخذها… هذا يبني شرفة في مقابل بيت جاره، وذاك يفتح نافذة في مواجهته، وفي كلّ مرّة يقترب كلّ واحد منهما من الآخر… كأنّنا سنخلد في البيوت التي نبني وفي الأراضي التي نحوز! تجد رجلا مسلما يشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدا رسول الله، ويعلم أنّ الموت حقّ، ويؤمن بالقيامة والحساب والجنّة والنّار، وتراه يصلّي ويرتاد بيوت الله ويصوم ويحجّ ويعتمر، لكنّه عندما يتعلّق الأمر بالأراضي والأموال والعقارات، تجده إنسانا آخر؛ نفسه لا تقنع ولا تشبع ولا تعرف حراما من حلال. يشتري أرضا محدّدة بحدود، يبني عليها بيتا، ثمّ ما يلبث أن تراه يتوسّع شرقا وغربا ليحوز أمتارا من هنا وأخرى من هناك. يحاصر جيرانه ويحجب عنهم الضّوء والهواء، وربّما لا يكتفي بذلك حتى تغريه نفسه بالزّحف على الطّريق، فيتقدّم فيه شيئا فشيئا حتى يضيّقه أو يقطعه على النّاس.. كأنّه ما سمع في حياته الوعيد الشّديد الوارد في حقّ من يؤذي جيرانه ويضيّق عليهم، وفي حقّ من يقطع الطّريق على الناس.

يُتبع بإذن الله…

مقالات ذات صلة