الرأي

حين تُفقد المدينة روحها: في معنى العمران عند مالك بن نبي

يأتي هذا المقال في ذكرى وفاة المفكر الكبير مالك بن نبي رحمه الله، ليعيد التأمل في إرثه الفكري الذي يظل حاضرا في عقولنا ووجداننا، ففكره متعدد الأبعاد، كل قراءة فيه تكشف زاوية جديدة، وكل ولوج إلى نصوصه يُعيد اكتشافه.

وقد اخترنا في هذه القراءة زاوية قد لا تكون مألوفة، زاوية أنثروبولوجية تبحث المدينة بوصفها فضاء حيا للتفاعل بين الإنسان والفكرة والزمن، وتقرأ العمارة الحضارية كما يقرأها رجل عاش في قلب المجتمعات وعاصر التغيرات، وتجول بين عوالم مختلفة، عاش الغرب وعرف تقدمه وشاهد الجاليات العربية وهي تعيش محنة الاستعمار، وعاش في بيئته العربية الإسلامية فتعرّف على تفاصيل الحياة فيها، مما جعله يمتلك مفاتيح فهم المجتمعات من الداخل، سواء في العالم العربي أو في الغرب، ولم تكن كتاباته إلا صدى لما رأى وعاش وعمل.
وحين نتأمل المدينة في فكر مالك بن نبي، ندرك أنها ليست مجرد مجموعة مبان أو تجمعات بشرية، وإنما فضاء تنبض فيه حياة الجماعة، تحمل فيه أحلامها، وتعكس قدرتها على تشكيل الذات، فتجعل الإنسان فاعلا في مكانه وزمنه، لا مجرد متلق أو مستهلك. وتكمن الأزمة الحقيقية في غياب الفكرة التي تمنح المدينة روحها، وعندما تفقد هذه الفكرة تتحول المدينة إلى ما يسميه بن نبي “المدينة المفقودة”، حيث يمتلئ المكان حجرا وزجاجا وأضواء، بينما تخلو العلاقات بين الإنسان والمكان والزمن من الحيوية، وتتلاشى طاقات الفعل المشترك
في كتابه شروط النهضة يقدّم معادلته الشهيرة: الإنسان + التراب + الوقت = الحضارة، وهي معادلة أنثروبولوجية تدل على أن الحضارة لا تتحقق إلا حين يربط الإنسان وجوده بالتراب ويجعل للزمن فعليّة. تتحوّل الأبنية إلى مجرد منظر إذا اختلّ هذا التوازن، ويصبح التراب عبئا والزمن انتظارا والإنسان مستهلكا لا مُبدعا، وهكذا يتحقق العمران كمظهر حي للعلاقة بين الإنسان ومجاله ووقته.
وكما يوضح مالك بن نبي في وجهة العالم الإسلامي بأن المدينة هي ثمرة الفكرة التي تمنحها الحياة وتشكلها: «إن كل حضارة تنبثق عن فكرة دينية، والفكرة الدينية هي التي تعطي الحضارة روحها ووجهتها»، فالمدينة ليست تراكما ماديا، وإنما لحظة روحية تتجسد فيها الجماعة والفكرة والزمن والمكان، ويظهر المسجد في المدينة الأولى كمركز لشبكة من المعاني والعلاقات والمؤسسات، انطلقت منها الدورة الحضارية التي تمنح الشكل العمراني مضمونه، وعندما يتحول الهدف إلى الاستهلاك أو التقليد يصبح العمران جسدا بلا روح، وحضارة بلا معنى.
ويذهب بن نبي إلى أبعد من ذلك في كتابه مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي حين يتحدث عن شبكة العلاقات الاجتماعية، ويقول: «إن الفرد لا يستطيع أن يؤدي دوره الحضاري إلا إذا كان مرتبطا في شبكة من العلاقات الاجتماعية»، فالمدينة ليست حجارة، وإنما شبكة من رموز وثقة وعادات وسلوك، وعندما تنهار هذه الشبكة، تبقى الأبنية قائمة لكنها تصبح أصداء، والأسواق مزدحمة بالناس لكنها بلا روح، والمجال العام يعج بالحركة لكنه بلا معنى للحياة المشتركة.
وتتضح جليا بعد ذلك فكرة “القابلية العمرانية” المستوحاة من مفهومه عن القابلية للاستعمار، فالمدينة التي تفقد استقلالها الرمزي والثقافي وتستورد أنماطها من الخارج دون أن تُشكّل على قيمها الداخلية تصبح غير قادرة على البناء الحضاري، بينما المدينة التي تنبع من حاجات الإنسان ومعانيه وتعبّر عن علاقته بالتراب والزمن هي التي تصنع العمارة بما يشبه أصحابها، تعكس تجربتهم وأحلامهم وتواصلهم مع الماضي والحاضر.
ويرى بن نبي أن الحضارة تُبنى عبر الرموز والطقوس التي تنظم حياة الجماعة اليومية، فالمدينة نظام رمزي قبل أن تكون بناء ماديا، ومن طريقة الجوار إلى أسلوب ترتيب السوق والمسجد، تنسج الجماعة عاداتها وسلوكياتها، وعندما تختفي الرموز وتُمحى الطقوس، تتحول الحياة في المدينة إلى حركة ميكانيكية بلا روح ولا معنى، وتصبح المدينة جسدا بلا روح.
وحين تنفصل الروح عن الجسد، كما وصف بن نبي، يتحول المكان إلى مرآة لفقدان المعنى، وتتسع المدن جسديا بينما تضيق روحا، وتتطور تقنيا بينما تتراجع أخلاقيا، فتتحول إلى تجمعات سكانية بلا ذاكرة ولا وجهة. هذا هو معنى المدينة المفقودة عنده، حيث يبقى الإنسان حاضرا جسديا لكن غائبا معنويا، والأبنية قائمة لكن المدينة صامتة لا تحكي سوى صدى الغياب.
مع ذلك، يرى بن نبي أن النهضة تبدأ من الداخل، من الإنسان الذي يصنع الفكرة قبل أن يبني الحجر، ومن هنا ينبثق التحدي: إعادة بناء الحس الجمعي بالمكان والزمان، وإحياء روح الجوار، واستعادة الزمن الاجتماعي الذي ينسج الحياة اليومية ويمنحها معناها، فتعود المدينة حيّة بالفعل والمعنى وليس فقط بالمظهر والتقنيات، وتصبح كل خطوة فيها ميلادا للمعنى، ويحمل الحجر ذاكرة الإنسان وروحه.
حين نعود إلى مدننا المعاصرة من منظور مالك بن نبي، نجد أن كثيرا منها نما ماديا دون أن ينبض روحا، وعماراته ارتفعت دون أن تعكس حياة الإنسان ووجوده، وغابت العلاقة بالتراب والزمن والمعنى، فالمدينة التي كان يبحث عنها بن نبي ليست مدينة أشياء ومظاهر، وإنما مدينة الإنسان والفكرة، مدينة تتكلم بلسان القيم لا بصخب الحديد والإسمنت، مدينة يولد فيها المعنى مع كل خطوة، ويحمل كل حجر فيها روحا وذاكرة ووجودا، وتظل شاهدة على العلاقة الحية بين الإنسان ومجاله ووقته.

مقالات ذات صلة