حين يتحوّل إغلاق المتاجر إلى فخّ لاصطياد الزبائن
بن برهوم:”استراتيجية الندرة” حيث يُستخدم عامل الوقت أو الكمية المحدودة لتحفيز الشراء
عيساوي: هذا السلوك ينتشر في المناسبات التي ترتفع فيها وتيرة الشراء مثل رمضان
انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة، وزادت خلال الشهر الفضيل، ظاهرة ما يعرف بـ”التصفية النهائية” لبعض المحلات، حيث يدّعي بعض التجار أنهم بصددالقيام بتفريغ شامل للمحل،مؤكدين أنها آخر فرصة للزبائنللاستفادة من تخفيضات مغرية قبل الإغلاق، ما يدفع عشرات الزبائن إلى التوافد أملاً في اقتناص صفقات مغرية بأسعار منخفضة. والمفاجأة المحل لن يغلق، والسلع المعروضة بالتخفيض يدّعي صاحبها بأنها نفدت…!
تحذر منظمات حماية المستهلك، مؤخرا، من انتشار ظاهرة “التخفيضات بمناسبة إغلاق المحلات”، وهي العبارة التي باتت متداولة بكثرة، خصوصا مع اقتراب المناسبات، التي يكثر فيها شراء الملابس والأواني والأجهزة الإلكترونية المنزلية.
وبتنا كثيرا ما نصادف إعلانات وفيديوهات عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي، يذكر فيها صاحب محل معين، بأنه بصدد غلق المحل أو تغيير تجارته، وأنه يعرض جميع بضاعته للبيع بأسعار مغرية جدا، ويُظهر صورا لما يحتويه محله.
وتعتمد حيلة “التصفية الوهمية ” التي بات يلجأ إليها بعض التجار، على ترديد عبارات معينة لإغراء الزبائن، على غرار “هي الفرصة الأخيرة لكم، لن تجدوا هكذا تخفيضات أبدا..سارعوا للشراء قبل إغلاق المحل..”.
وهنا يشعر الزبون برغبة كبيرة في اقتناص هذه الفرصة التي لن تتكرر، ويتخذقرارا سريعاللشراء خوفاً من ضياع العرض.
غير أنّ المفاجأة تكون صادمة للكثيرين، حين يكتشفون أن المحل لم يُغلق، وأن السلع التي أُعلن صاحبها عن قرب نفادها لم تكن موجودة أصلاً، أو أن التخفيضات لم تكن بالشكل المغري الذي ذكره. أو يدّعي صاحب المحل أن السلع التي أظهرها على مواقع التواصل الاجتماعي، قد نفذت بمجرد نشره للفيديو على منصات التواصل الاجتماعي.. ! وهو الأمر الذي يثير استياء المستهلكين.
والسلوكيعتبر “خدعة تسويقية” تحذر منها منظمات حماية المستهلك مؤخرا، معتبرة أنها شكل من أشكال التضليل التجاري الذي يضرب مبدأ الشفافية في المعاملات.
ويقول عدد من الزبائن إنهم تنقلوا لمسافات بعيدة إستجابة لإعلانات تصفية، ليجدوا أن الأسعار لم تختلف كثيراً عن المعتاد، أو أن السلع المعروضة محدودة ولا تعكس ما تم الترويج له.
وهذه الممارسات لا تؤدي فقط إلى خسارة وقت المستهلك وجهده، بل تزرع أيضاً شعوراً بعدم الثقة في السوق. فالمستهلك الذي يُخدع مرة، يصبح أكثر حذراً وربما يعزف عن التعامل مع إعلانات مماثلة مستقبلاً، حول تصفية حقيقية للمحلات.
ويشير أستاذ الاقتصاد، كريم بن برهوم،إلى أن هذا السلوكيعرف في التسويق بـ “استراتيجية الندرة”، حيث يُستخدم عامل الوقت أو الكمية المحدودة لتحفيز الشراء. غير أن الفرق هنا يكمن في أن بعض التجار يوظفونها دون نية فعلية للإغلاق أو التصفية، ما يحولها من أداة تسويقية مشروعة إلى ممارسة مضلِّلة.
وبحسب تصريحه لـ ” الشروق”، تتمثل أبرز صور هذه الظاهرة في الإعلان عن تخفيضات ضخمة دون تحديد نسب واضحة أو حقيقية، والادّعاء بنفاد سلع معيّنة لجذب الاهتمام، رغم عدم عرضها فعلياً.
وبحسبه، يكرر التاجر عرض لافتات “التصفية النهائية” لأشهر متتالية دون أي تغيير في نشاط المحل، ليتمكن من كسب أكبر عدد من الزبائن.
على المُستهلك أن يكون ذكيّا
ودعت الجمعية الجزائرية للدفاع عن المستهلك “حمايتك”، إلى ضرورة احترام القوانين المنظمة للتخفيضات والتصفيات، والتي تشترط عادةً، التصريح المسبق لدى الجهات المختصة عند القيام بتصفية بسبب الغلق، وتحديد مدة زمنية واضحة للتصفية، مع عرض قائمة حقيقية بالسلع المشمولة بالتخفيض.
وأكد رئيس “حمايتك”، محمد عيساوي لـ” الشروق”، أن الإعلان الكاذب أو المضلل الذي بات يلجأ إليه بعض التجار،يندرج ضمن الممارسات التجارية غير النزيهة، ويعرّض صاحبه لعقوبات قد تصل إلى الغرامة وسحب الترخيص في حال ثبوت المخالفة.
وقال إن الأمر قد يبدو للبعض مجرد “حيلة تسويقية بسيطة”، لكنه في الواقع يمسّ بثلاثة أبعاد أساسية، البعد القانوني، لأنه يُعد تضليلاً للمستهلك وانتهاكاً لقواعد المنافسة الشريفة والبعد الاقتصادي، إذ يخلق منافسة غير عادلة بين التجار، ويضرّ بالمحلات التي تحترم القانون.
وأخيرا، البعد الأخلاقي، فالتاجر بهذا السلوك “يقوّض الثقة مع المستهلك، والتي هي أساس أي معاملة تجارية ناجحة”.
وليتمكن المستهلك من التمييز بين التصفية الحقيقية والوهمية، فينصح خبراء الاستهلاك، بالتأكد من وجود تصريح رسمي معروض داخل المحل عند الإعلان عن تصفية نهائية، مع مقارنة الأسعار قبل وبعد الإعلان، وعدم الانسياق وراء النسب الكبيرة دون تحق، والإبلاغ عن أي ممارسة مشبوهة لدى مصالح الرقابة أو جمعيات حماية المستهلك.
ويدعو محمد عيساوي، إلى تكثيف الرقابة الميدانية على التجار، خاصة في مواسم الذروة مثل الأعياد والمناسبات، حين يكثر الإقبال على الشراء. لأن “الأسواق القوية لا تبنى على العروض الصاخبة، بل على الثقة المتبادلة بين البائع والمشتري. وإذا تحوّلت “التصفية”إلى شعار دائم بلا مصداقية، فإن الخاسر الأكبر لن يكون المستهلك وحده، بل سمعة السوق بأكملها” على حد قوله.