حي سونلغاز: مستنقع دعارة في العاصمة ينذر بانفجار أخلاقي رهيب
الجري وراء اكتشاف شبكات الدّعارة في إطار العمل الصحفي يُعدّ مجازفة بغض النظر عن مستواها، والنبش داخلها عمل “بوليسي” يستحق الشجاعة و الخبرة اللازمتين..لكن أن يأتيك السكان ليشتكوا لك ما يحدث في حيّهم جهارا نهارا، و ليلا بياتا، فهذا أمر يستحق “قلب الطّاولة”..أمر يستحق أن يُرفع لأعلى الجهات حتى تتحمل مسؤولياتها كاملة.هذه قصة حقيقية لحي يُسمى “سونلغاز” يقع قُبالة عمارات 700 مسكن،على الجانب الأيمن للطريق المؤدّي إلى بلدية السمّار بالعاصمة، هو في الحقيقة حي قصديري، كان في البداية آمنا، لكنّه تحوّل الآن إلى وكر للدّعّار..بعد صلاة العصر،كان الموعد مع جماعة من سكان حي سونلغاز، شباب و شيوخ، بالإمكان القول أنهم كانوا “يتقيّأون” أمامنا ما أُرغموا على ابتلاعه رغما عنهم منذ ستة سنوات..لقد باتوا يتنفسون الدعارة و رائحة الزنا، وهم اليوم يفجرون قنبلة فساد تكاد تعصف بحيّهم..
بذُور السّوء..
يعود وجود ذلك الحي إلى ثمانية عشر سنة خلتْ، لم تكن “أكواخه” تتجاوز المائة وعشرين كوخا إلى وقت قريب جدا، لكنّها اليوم، و تحديدا قبيل الانتخابات التشريعية الماضية، قفزت إلى 146 كوخا..يقول “ل” أحد شباب حي سونلغاز، “لسنا نتهم الوافدين الجدد و لا قدماء الحي بممارسة البغاء و إشاعته، نحن نقول بأنّ هؤلاء الفاسقون و الفاسقات قليل، لكنهم على قلّتهم، يعدّون البذرة التي نبت منها الفساد، ونريد اليوم أن نستأصل هذه البذرة مهما كلفنا الثمن..”. يخطف عمّي “م” الكلمة من جاره “ل” ليقول “كنا في أمان الله، لكن منذ ستة سنوات دخلتنا هذه السّوسة..صرنا نراهن بيننا، لقد بنيْن أكواخا و صار الرجال يأتونهن في كل عشية وفي كل ليلة..لا أستطيع أن أحصي أعداد الرجال..فهم كُثر، لكني أستطيع القول أن عدد الفاسقات يتراوح بين سبعة و ثمانية، إنّهن منبتُ السوء الذي يجب أن يُستأصل قبل أن يتكاثرن و يكثر شرّهنّ”.
شهادات..ومشاهدات
يؤكد عمي “م” أن الفساد استشرى في الحي منذ عام بشكل رهيب، وأن أصبحت الحياة لا تطاق داخله، و لقد تركنا أولئك الذين التقيناهم يحكون ما رأوه، يقول عمّي “م” بأنه كان و لا يزال يرى رجالا يدخلون أكواخ العاهرات ليلا و نهارا، و يقول آخر “رأيت رجلا و معه ثلاثة منهن وسط أشجار تقع تحت الأكواخ، رأيتهم في أوضاع لا أراكم الله” و يواصل “إنها أشياء لا تُطاق و لا تصدق..لابد من نهاية لما يجري هنا”.و يصرح “ل” و قد علت وجهه سحابة الغضب “أصحاب السيارات و الشاحنات لم يعودوا يغادرون قارعة الطريق المحاذية للحيّ، بإمكانكم أن تروهم مصطفين، إنهم الزبائن..هم هناك صباح مساء، وما يلبثون أن تخرج إليهم واحدة أو اثنتان، يركن معهم ثم يغادرون، و في أحايين أخرى يدخل أصحاب تلك السيارات إلى الأكواخ، و هذا هو الغالب فالدعاة تمارس في أكواخهن”.ويعود عمي “م” إلى شهادته ليقول “لطالما سمعت رجالا ونساء يسبون الله و هم في حالة سكر شديد..ليست مرة أو مرتين بل أكثر، تكلمت وبعض سكان الحي مع بعض منهن،طلبنا منهن بالتي هي أحسن و بالقول اللّيّن أن يغادرن حيّنا إن أردن الاستمرار في ممارسة بغائهن، هذا بعد أن استشرنا إمام مسجدنا، حيث قال لنا بأنه من حقكم أن تطلبوا منهن المغادرة إن آذينكم،أما إن لم يؤذينكم و كان فسوقهن بعيد عنكم و عن مساكنكم، فلا دخل لكم فيهن” ويُردف الرجل “عملنا بنصيحة الإمام، لكنّ الرد كان كله صفاقة وسوء أدب..لقد انهلن علينا بالشتم و السبّ والتهديد..إننا ندعو الله ليل نهار أن يرفع عنا هذا الداء الذي يأكل جسدنا يوما إثر يوم، و إننا لنطالب الدولة بعد الله أن توقف هؤلاء وتأخذهم بعيدا عنا”، و يضيف “أذكر أنني سمعت إحداهن تنادي الأخرى باسم نورة، هذا الاسم تردد على مسامعي كثيرا، خاصة في الليل”. و يتدخل أحد السكان “أعرف اثنتين تتاجران ببنات ونساء أعمارهن من ثمانية عشر فما فوق”.
شهادة من داخل المستنقع..
كان لابد من بيّنة حقيقية على كلام السكان.. كان لابد من بينة بالصوت والصورة معا، لذلك تنقلنا إلى الحي لرصد الحركة، ليس داخله و إنما في الجانب الأيمن منه، على اعتبار أن “الصفقات” كلها تتم على ذلك الجانب..استدعى الأمر يومين كاملين حتى نحصل على الصورة و التصريح الذي نريد لنتأكد مما قاله السكان، ليس هذا تكذيبا لهم، و إنما هو من باب تحري الأقوال و من باب التبيُّن، الذي هو دعامة أساسية من دعامات العمل الصحفي.في اليوم الأول لم نحصل على شيء، لا على الصورة ولا على الصوت، وكأن القوم تلقّوا خبرا بمجيئنا..في اليوم التالي و في حدود الساعة الواحدة و النصف زوالا كان كل شيئا مصوبا نحو الأكواخ، أنظارنا و تركيزنا و عدسة المصور الذي اتّخذ وضع القناص خلف زجاج السيارة، وبعد لحظات خرجت إحداهن، كانت شقراء تلبس قميصا ورديا أشبه بقميص نوم، وبدأت ترقبنا، ثم ما لبثت أن خرجت أخرى من الكوخ نفسه، ثم لحقت بهما ثالثة..هنا اكتمل الجمع واتضح لنا بأنهن المعنيات بكلام السكان، و تأكدنا بأن صيْدنا قد جاء.. بقيت تلكم النسوة أكثر من ربع ساعة و هن ينظرن إلينا و يقمن بحركات و إشارات تدل على أنهن يدعوننا، لكننا لم نتحرّك و أردنا “إشارة”أكبر..لربما تمادينا في طلباتنا بيننا و بين أنفسنا، لكننا أردنا أن نتأكّد بأننا المقصودون بتلكم الحركات، كما أردنا أن نعرف إلى أي حد بالإمكان أن يصلن بحثا عن زبائن.. وبعد لحظات تحقق ما أردنا، فلقد نزلت الشقراء إلى قارعة الطريق وكانت هذه الإشارة التي كنا ننتظر، توجهنا نحوها بينما كانت الأُخريان تراقبان الوضع، فلعل الأمر يتعلق بزبون..ما إن صلنا حتى بادرت بالكلام “ماذا تريدون؟”..رددنا عليها “مساء الخير” فردت “مساء الخير”..”إننا نبحث عن واحدة تُدعى نادية الوهرانية؟” و الحقّ أننا لا نعرف نادية الوهرانية هذه و لا سمعنا بها و لا قيل لنا عنها، و لكنّه طُعم رميناه فكانت النتيجة ما يلي: “نعم، إنها تقيم في أقصى الحي من الجهة الأخرى، اسلُك هذه الطريق ثم عرّج يمينا..”حتى وصفت لنا الكوخ وبابه، واستطردت قائلة “إنها تشغل نساء كثيرات”، سألنها “هل تشتغل بالليل أم بالنهار؟” أجابت “اذهب هناك واسأل..” وحتى نستطرد في الحديث لنحصل على أشياء تثبت التهمة عليهن، سألناها “قيل لنا بأن نادية جديدة هنا؟” أجابت “لا، إنها قديمة”..لقد اتّضح من خلال إجاباتها أنها لا تريد أن تذهب معنا بعيدا لربما لبِسها بعض الخوف أو راودتها شكوك بشأننا، في هذه اللحظات نزلت أخرى، كانت صغيرة جدا، بدت في العشرينات وكانت تلبس لباس حمّام، قالت لصديقتها “ما الأمر؟” فأجابتها “إنه يسأل عن نادية الوهرانية” وبكل عفوية قالت الصغيرة “و هناك نورة”..هنا تذكرنا ما قاله لنا الرجل الكبير عمي “م”، لقد ذكر اسم نورة، و هو ما يتطابق مع الاسم الذي قالته الأخيرة..هنا انتهت الحكاية. كان لابد من مواصلة الحديث، لكن نقص “خبرتنا” في هذا الميدان هو الذي قال كلمته، لم نسأل عن الثمن ولا عن الأعمار و لا عن تفاصيل أخرى قد تقود إلى الإمساك بخيط يقودنا إلى مستوى من مستويات المستنقع.. ولم تسر كما أردنا، و نتحمّل المسؤولية عن ذلك.
من المسؤول؟؟
بالإمكان القول أننا أثبتنا كلام السكان و آهاتهم و شكاويهم، و أننا قد صدّقنا ما قالوه مع ما شاهدته أعيننا و ما سمعته آذاننا و ما حملته الصورة، ولم يبق إلا أن تتحمل السلطات مسؤولياتها..وآخر ما نختم به، هو أن على الجميع أن يتحمل المسؤولية، فالسكان أخلوا مسؤوليتهم من القضية برفعها إلى الجهات المعنية عن طريق عرائض احتجاج، كما رفعوا قضيتهم إلى الصحافة، وبذلك تنتقل المسؤولية إلى من بيدهم الأمر و النهي.. والسكان والمجتمع في انتظار ما ستقوم به تلك الجهات.بقي أن نشير إلى أن السكان أروْنا عرائض احتجاج سلموها لكل من شرطة حي النسيم بتاريخ 07 ماي 2007، و للدرك الوطني لبلدية جسر قسنطينة لناحية بلدية السمار بتاريخ30 جوان 2007، وأخرى سلموها لوكيل الجمهورية، و هم في انتظار ما ستسفر عنه تحقيقات هذه الجهات.
أسامة.م / تصوير: بشير رمزي