خداع إسرائيلي وكيل دولي بمكيالين
ادرك القادة الفلسطينيون بعد صراع طويل انه لابد من الدخول في مفاوضات وجها لوجه مع قادة اسرائيل للتوصل الى حل سياسي.. صحيح ان الفلسطينيين بحاجة الى مثل هذا الحل لوقف النزف المتواصل لارضهم وحقوقهم في مرحلة تعصف فيها التحولات بمعسكرات وتكتلات دولية وبدول وانظمة.. فالفلسطينيون معنيون كما غيرهم بكل ما يجري في العالم، وهنا نتذكر جملة مهمة للمفكر البوسني الكبير علي عزت بيك عندما قال نحن نقبل بالميز العنصري ان خيرونا بين التطهير الهنصري والميز العنصري.. اذن هي حاجة فلسطينية ملحة لوضع حد لنكبات متتالية هذا صحيح تماما.. ولكن صحيح كذلك انه حاجة اسرائيلية استراتيجية ان يجلس الفلسطينيون والاسرائيليون الى طاولة مفاوضات ويتوقف الفلسطينيون عن كثير من مطالبهم السابقة.. انها حاجة اسرائيلية ليست فقط معنوية بل هي مصلحة تخدم مشاريع لايمكن انجازها الا في ظل عملية خداع مركزة.. اسرائيل بحاجة للجلوس مع القادة الفلسطينيين لانه لاسواهم من يمنحها شرعية الوجود المعنوية، واسرائيل تدرك انه مهما تحصلت على اعترافات اقليمية ومهما تلقت من دعم استراتيجي فانها بحاجة ماسة للاعتراف الفلسطيني.
كان الاعلام الغربي الموالي لاسرائيل والساسة الغربيون والساسة المنضوون تحت راية المنطق الغربي يلومون الفلسطينيين لعدم جلوسهم إلى طاولة المفاوضات مع اسرائيل ولعدم قبولهم بقرارات الشرعية الدولية الخاصة بذلك فيما كانت اسرائيل تملأ الدنيا دويا بانها تريد السلام وانها مستعدة ان تقدم اشياء كثيرة وتنازلات حقيقية .. كانت اسرائيل تبدو كالحمل الوديع وانها تلهث خلف السلام، فيما يتم تصوير الفلسطينيين والعرب أنهم ارهابيون ويريدون إلقاء اسرائيل في البحر وتدمير “الحضارة”.
الآن اصبح الاصرار الفلسطيني الرسمي على الالتزام بالمفاوضات موقفا ثابتا واضحا في اختيار نوعية الادوات الاستراتيجية لمعالجة الملف الفلسطيني.. وبغض النظر عن تقديرات البعض حول الحسابات في حجم الفائدة او الخسارة الناجمة عن الالتزام بهذا النهج، الا انه لابد من التاكيد ان الموقف الفلسطيني هذا كشف خداع اسرائيل وزيف دعواها ووضع الموقف الدولي والاعلام الغربي في حرج وتناقض وتكشفت الاوضاع عن خلل رهيب في المرجعية والمعيارية..
الان تحاول جهات دولية عديدة الضغط على الفلسطينيين للجلوس الى طالة المفاوضات.. والفلسطينيون لايعترضون على مبدأ التفاوض لكنهم يتسلحون بالمنطق والعقل والحق عندما يؤكدون ان لامفوضات الا بوقف الاستيطان.. اذ كيف يمكن ان يقبل الفلسطينيون بالمفاوضات فيما تستمر اسرائيل في الاستيطان والتوسع في مشاريع تهويد القدس وكيف يمكن ان تستمر اسرائيل في ممارساتها العنصرية بل تصعد من اساليبها ضد الشعب الفلسطيني ضاربة بعرض الحائط القرارات الدولية معرضة عن كل النداءات بضرورة وقف العدوان على الشعب الفلسطيني ومقدراته.
إسرائيل الان في موقف حرج، ذلك انها على الاقل فقدت لغة التباكي واصبح العالم كله يشهد تبجحها وبدات كثير من الاصوات المؤثرة تعلو في اسرائيل او امريكا واوربا بضرورة التزام اسرائيل بموجبات العملية السياسية وهذا في حد ذاته مهم .. وتحاول اسرائيل افتعال مشكلات محلية واخرى اقليمية لصرف الانظار عن استحقاقات المفاوضات ..
بالتأكيد لدى الفلسطينيين المجال مفتوح على خيارات ولا يجبرهم احد على نهج احدها ولا يقبلون بالاستفزاز لكي يضيعون من ايديهم اوراق قوتهم.. والامر سيكون لدى الفلسطينيين خاضعا لحساباتهم التي تضع المصلحة الوطنية العليا المعيار الاساسي لاي تحرك قادم..
الفلسطينيون اليوم في اكثر مراحلهم حاجة للتفكير والصبر على موقفهم والعمل على توحيد صفوفهم وعدم السماح لبعثرة جهودهم. وسيجد حكام اسرائيل انفسهم مجبرين في نهاية المطاف للتسليم لحتمية الانسحاب من الضفة الغربية والقدس الشرقية والجلوس للتفاوض حول الاستحقاقات اللازمة لعملية تسوية ذلك ان كانت مصلحة اسرائيل مهمة لدى قادتها.