الرأي

خذوا زينتكم…

لا يحتاج المسلم الملتزم بالإسلام في حياته إلى أية فلسفة أو إيديولوجية، فالإسلام يُغنيه بمبادئه وقيمه ومثله عن غيره، سواء مما له صلة بجوانبه المادية كالمطعم، والمشرب، والملبس، والمسكن، أو مما له علاقة بروحه وأشواقه.

إن أكثر المسلمين يركزون على العناية بالجوانب المادية في حياتهم كتوفير الطعام، واللباس، والمسكن، ولكن قليلا منهم من يتجاوز ذلك إلى نوعية الطعام، واللباس، والمسكن، وتلك النوعية مطلوب ـ دينيا ـ توفيرها كما هو مطلوب توفيرها كمّيا.

ففي المجال المعيشي يأمر الله ـ عز وجل ـ أفضل خلقه، وهم أنبياءه ورسله بأن يأكلوا من الطيبات، فيقول: “يا أيها الرسل كلوا من الطيبات..”، ويتساءل ـ سبحانه وتعالى ـ في استنكار عمن حرّم زينته التي أخرج لعباده، فيقول : “قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق”، ومنطوق الآية يشمل كل طيّب وكل زينة، مع مراعاة القسط والوسطية، إذ لا إفراط ولا تفريط.

ومن أجمل ما في الإسلام أنه يأمر بالعناية بالجمال والزينة حتى في اللحظات والأماكن التي يكون فيها قلب المسلم معلقا بما وراء الماديات، فالتطيّب والتزيّن مطلوبان من المسلم وهو متوجه إلى بيت الله لعبادته.

إن المرء ليتساءل عن أي منطق يعيش به أكثر المسلمين، إذ تراهم يطيعون الله ـ عز وجل ـ في بعض الأمر، ولا يطيعونه في بعضه، فالذي أمر بالصلاة هو نفسه الذي أمر بالتزيّن لها، فلماذا يأتمر أكثر المسلمين بالصلاة ولا يأتمرون بالتزيّن لها؟ ألا ينطبق على هؤلاء قول الله ـ عز وجل ـعن أناس بأنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض؟ ولو ضربنا مثلا ـ ولله المثل الأعلى ـ بجنديّ يتلقى أمرين من ضابطه هل يمكنه أن يطبق أمرا ويُغفل الثاني؟ فكيف يسمح “مسلم” لنفسه أن يطبق أمرا إلهيا ويترك الآخر؟

أية طاعة لله ـ عز وجل ـ من هذا “المسلم” الذي يأتي إلى بيت الله أشعث أغبر، شعره كالعهن المنفوش، تنبعث من جسمه ـ بسبب التعرق ـ ومن فمه ـ بسبب “الشمّة” والتدخين ـ روائح كريهة تُذهب عن المسلمين الخشوع، وتسبب لهم التأفف والتقزز، مما يُذهب جلال العبادة وجمالها.

إن من العلماء من ذهب إلى أن كلمة مسجد في الآية هي مصدر ميميٌّ لفعل سجد، فيكون المعنى : خذوا زينتكم عند كل سجود، أي عند كل صلاة، بصرف النظر إن كانت هذه الصلاة في المسجد أو في خارجه. (انظر الجمال في الإسلام، لصالح أحمد الشامي، ص207). فالزينة للصلاة في المسجد ألزم منها في غيره، مراعاة لحق بيت الله، و حق جماعة المسلمين.

إنني أذكر الأئمة الأفاضل بأن يُلحوا على الناس بالمجيء إلى المساجد في زينتهم، خاصة في صلوات المغرب والعشاء والفجر والجمعة، حيث يكون المصلون ـ في الغالب ـ من جيران المسجد، ومن العار أن يحرص المرء على مقابلة أي شخص في صورة جميلة، ويُقبل على مقابلة ربّه في بيته في صورة قبيحة.

وعلى السّادة الأئمة أن يكتبوا ـ إن اقتضى الأمر ـ تلك الآية الكريمة الآمرة بأخذ الزينة ويُلصقوها في سواري المساجد وجدرانها.

إن اليهود والنصارى على ما في دينيهما من خرافات يُقبلون على معابدهم بجدية واحترام وجمال أحسن من أكثر المسلمين الذين يؤمّون بيوت الله بسراويل قصيرة (بونتاكور)، وملابس رياضية تكشف بعض عوراتهم عند السجود والركوع، و بملابس تحمل على الظهر والصدر كتابات وصور غير لائقة، فلا نشوّه جمال هذا الدين بأعمالنا ومظاهرنا المقزّزة.

مقالات ذات صلة