الرأي

خريطة سياسية جديدة في المشرق العربي

صالح عوض
  • 7782
  • 7

كان من الوجيه أيضا أن نضيف الى العنوان أسماء أخرى، لها أثر بالغ في تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة، كالولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، والاتحاد الروسي والصين.. وكان من المهم أن نضيف لدول المنطقة أسماء لها دور بالغ كمصر والعراق.. ولذا سوف تأتي الإشارة الى كل ما يمكن أن يصل إليه المقال، من عناصر ذات أثر في تشكيل مستقبل المنطقة.

في البداية تقفز الى المشهد إرادة الدول الكبرى في ضرورة إحداث تغييرات جوهرية على تركيبة المنطقة، ولكن بما يحقق لها استمرار مصالحها وتطورها في اتجاهات إستراتيجية اقتصادية وأمنية.. إذ أن سوريا مفتاح أمني وإستراتيجي وسياسي للمنطقة كلها.

وفي البداية، لابد من تحسس قلق دول المنطقة وهمومها في متابعاتها لتطورات الأوضاع ميدانيا في سوريا، حيث ستكون الانعكاسات قوية إيجابا او سلبا، حسب نتائج الصراع الدامي في المدن والأرياف السورية في هذه الفترة الحاسمة.

وفي البداية كذلك، لابد من ملاحظة ما انتهت إليه الأوضاع ميدانيا وسياسيا والبناء عليها قريبا من التوصيف، وبعيدا عن الأحكام المسبقة أو الرغبات والأماني.. فنحن نرى الآن كيف انسحبت قطر أو طردت من الدول التي تبوأت موقع المشروعية في متابعة الوضع السوري.. بشكل عملي لم يبدأ هذا الانسحاب أو الطرد من موقف المبعوث السوري في الأمم المتحدة لمندوب قطر، حيث هدده بإزاحة قطر من الخريطة بعد تطاول المندوب القطري على روسيا.. إنما بدأت مع ترسيم الرئيس المصري الذي أخذ على عاتقه إعادة الاعتبار لدور مصر الإقليمي الذي تعرض لمهانة كبيرة، عندما كانت دويلة قطر تمارس عليه سطوا مضحكا.. وعادت قطر لدورها الواقعي أن تكون قاعدة عسكرية ضخمة للأمريكان، حيث أفادت الأخبار مؤخرا عن قيام قطر بدفع 60 بالمئة من تكلفة القواعد الأمريكية..

وفي المشهد السياسي، تراجع الموقف الأمريكي والغربي الى جهة ترك الملف سياسيا الى دول المنطقة، التي وجدت نفسها مضطرة بشكل او آخر للتعامل بجدية في ملف يكاد يعم شره على المنطقة كلها، ليفتح أبوابا من جهنم على كل دولة من دولها.. أما الأمريكان فقد قالوا بملء الفم، إنهم لن يتدخلوا عسكريا في الشأن السوري، مع تشديدهم بالإجراءات عليه الى درجة أنهم أوصوا بإغلاق محطاته التلفزيونية.. ينظر الأمريكان الى الملف السوري بعين أخرى، ليست كتلك التي رأوا بها المشهد العراقي والليبي.. إذا ن الفوضى المحتمل حدوثها في سوريا بعد إسقاط النظام بالحرب الغربية سيطلق الفرص الكبيرة للمسلحين، بمن فيهم الجهاديون أو الفلسطينيون، ليستخدموا السلاح المتطور مباشرة ضد اسرائيل، التي تبعد عن دمشق بكيلومترات قليلة، وفي هذا السياق سمح لمنظمات دولية بالجهر بتجريم الفصائل المسلحة، واتهامها بارتكاب جرائم حرب.. هنا يتدخل الأمن الإسرائيلي والمصلحة الإسرائيلية على الخط، فتكتفي أمريكا في هذا المشهد بأن تضعف قوة الجيش السوري وتستنزف البلد، وتضعه في حالة هزال يضطر معها لتقديم تنازلات أمنية وإستراتيجية.. ومازال التأزم في الملف الإيراني يشغل صناع القرار الأمريكي الذين لا يبدون ترحيبا بمقترحات نتن ياهو، وقد حذر مسؤولون أمريكيون اسرائيل من أن مصر والأردن قد تقومان تحت ضغط الشارع بإلغاء اتفاقيات السلام، وقطع كل علاقاتهما الدبلوماسية مع الدولة العبرية، إن هي أقدمت على شن ضربة عسكرية على المنشآت النووية الايرانية، حسبما نقلت صحيفة “يديعوت احرونوت” الإسرائيلية الخميس الفائت.. الأمر الذي يعني ان تعاطيا غربيا جديدا بدأ مع الملف الإيراني والإقرار بدور إيران الإقليمي.

وسياسيا أيضا، يمكن ملاحظة تطورات حصلت على الموقف السعودي لصالح سحب الفتائل التفجيرية في المنطقة.. فبعد دعوة العاهل السعودي لتشكيل لجنة تقريب بين وجهات نظر أصحاب المذاهب الاسلامية، أصبح من غير المبرر رفع شعارات طائفية في الصراع الدائر في سوريا، لأنه غير صحيح في الوقت الذي هو مؤذ للجميع، وانتقاله لمناطق أخرى في المشرق العربي أمر وارد، وحينذاك لن ينجو أحد من فتنة تندلع كالنار في الهشيم ستجد بلا شك من يذكي نارها.. صحيح أن هناك حديثا عن مساعدات مالية وعسكرية تصل للفصائل المسلحة في سوريا من طرف المملكة السعودية، إلا انه لابد من النظر بأن تقبل السعوديين لدعوة المصريين لتشكيل لجنة رباعية تضم إيران يعبر عن تراجع الموقف السعودي خطوة الى الخلف.. وفي السياق نفسه، فها نحن نلاحظ تراجعا واضحا في قوة دفع الموقف التركي ضد النظام في سوريا، حيث انتشرت أعمال العنف في مناطق الأكراد، والتي قد تكون وجدت تشجيعا من قبل النظام السوري، الأمر الذي صعد في عملية الاحتجاج من قبل الأحزاب التركية ضد حكومة أوردغان المهددة باستنزاف كبيرة، جراء تدخلها في الصراع الدائر في سوريا.. واكتفت بالمتابعة الأمنية وتقديم المعلومات من خلال غرف أمنية مشتركة مع أطراف إقليميين ودوليين.

في اتجاه آخر، كان الموقف الإيراني يتحرك بدأب للتصدي لسقوط سوريا بيد الأمريكان والقطريين كما حصل لليبيا وتونس.. لا يمكن تخيل ان الموقف الروسي والصيني استطاعا ان يصمدا دون دعم إيراني، حيث تشكل الدبلوماسية الايرانية وثقل إيران الإقليمي جدارا صلبا ضد الاختراق الأمريكي في الموقف الروسي والصيني والعراقي، وهنا لابد من الالتفات الى الموقف العراقي، حيث يشكل مجالا خطيرا على الوضع السوري، ولعل تحالفات إيرانية عراقية تحول دون جعل العراق جبهة مفتوحة ضد الدولة السورية.. وبين إيران وسوريا يتمترس حزب الله في خندق التأييد للنظام السوري، بما يزيد عن المطلوب منه وبحسابات مفرطة في الشعار ولغة التهييج التي ينتابها دخان طائفي، والتي تلوح باحتمالات انفجار لبناني.. وإن كانت إيران تصر على ان الموضوع سياسي بحت، وهي تتحرك في إدارة الصراع مع الأمريكان مدفوعة بضرورة عدم سقوط مواقع الرفض والمقاومة، وعدم السماح للأمريكان ان يتغلغلوا أكثر في المنطقة، وتكون استطاعت الى حد كبير ان تقلص من النفوذ الأمريكي لصالحها في العراق.. فالحرب الباردة بينها والإدارات الغربية حرب واسعة وشاملة، وهي تريد ان تفلت ببرنامجها النووي لتصبح دولة ليست إقليمية فحسب، بلد دولة تدخل النادي الدولي باقتدار كما هي الصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا.. وتتقدم مقترحات إيران بخصوص الوضع السوري بواقعية استطاعت ان تقرب وجهات النظر في الرباعية، حيث لم تعترض إيران على رحيل بشار الأسد عن الحكم، ولكن على ان يتم ذلك وفق خيار الشعب السوري بانتخابات حرة نزيهة.. تتخذ حماس موقفا بين الموقف الإيراني والموقف المصري، فهي ضد التدخل الأجنبي الذي يريد الخراب بسوريا..

وبهذا تتطابق مع الموقف المصري والإيراني، ولكنها لا تشن حربا على النظام السوري، فتختلف بذلك عن الموقف المصري، ولكنها أيضا لا تتحرك لتجييش المواقف دفاعا عن النظام كما تفعل إيران، وبهذا تختلف عن الموقف الإيراني.. إلا أنه يمكن ملاحظة ان موقف حماس من المسالة السورية هو موقف يمثل الى حد كبير الموقف الفلسطيني، الذي يرفض الانغماس في الملف السوري الداخلي لحسابات لها علاقة بالجغرافيا وباللاجئين الفلسطينيين في سوريا ولبنان، والبالغ عددهم اكثر من مليون فلسطيني، حيث سيصبح هؤلاء رهينة أي موقف فلسطيني، ويصبحون مستهدفين من هذا الفريق أو ذاك.. أما الموقف المصري فتتنازعه مرجعيتان، واحدة أخوانية حيث لا يمكن أن يقبل الأخوان المسلمون باستمرار نظام الأسد الذي حارب الأخوان المسلمين عشرات السنين، وقتل منهم قيادات وكوادر، وطاردهم بعنف وقسوة وبظلم.. ومرجعية أخرى تتمثل في الشعور بمقتضيات السياسة كدولة مسئولة، من الضروري ان تملأ الفراغ في المنطقة العربية، وأن تقدم مصلحة المنطقة كلها على حقوق الجماعة، رغم أنها حق مشروع.. من هنا كان الموقف المصري برفض أي تدخل أجنبي ضد سوريا، وأن حل المشكلة السورية إنما هو ينطلق من المنطقة، وبإرادة الشعب السوري.. مع الاحتفاظ بالموقف من رحيل بشار الأسد من الحكم.

في المنطقة يكون قد سقط أحد سيناريوهات الإدارة الأمريكية، وهي لن تتردد بإلقاء سيناريو جديد، المهم في الجولة السابقة، فرضت مصر وجودها في قلب الخريطة السياسية، وتراجعت تركيا الى جهة ارتباطاتها الدولية بالحلف الأطلسي، واقتربت إيران من الموقف العربي، واخترقت الحصار وأصبحت لاعبا أساسيا في ترتيب المنطقة، وخرجت قطر من المسرح.. بالجملة، ظهرت قوى حقيقية في المشرق سيحقق تفاهمها شروطا أمنية إستراتيجية لصالح المنطقة.. وفلسطين بالذات.

مقالات ذات صلة