الرأي

خطابُ النخب وتعبيد الطريق لتصفية القضية الفلسطينية

في الصراع الوجودي، لا تقتصر المعركة على الميدان العسكري وحده، بل تمتد لتشمل “معركة الوعي” وإلى شرعنة السياسات؛ فالحروب لا تُخاض بالبارود والنار فحسب، بل بالكلمة والسردية التي تمنح الفعل العسكري غطاءه الأخلاقي أو تنزعه عنه. وهنا يبرز في مسار الكفاح الفلسطيني تساؤلٌ ملحٌّ عن الدور الذي تؤدّيه بعض النخب، سواء الفلسطينية أو العربية، التي تتبنى خطابا حادا ضد المقاومة، ومدى تقاطعه -بقصد أو بغير قصد- مع خطاب الكيان ومع أهدافه الإستراتيجية.

أولاً: “زلزال أكتوبروانكشاف الوظيفية

شكلت أحداث السابع من أكتوبر 2023 لحظة انكشاف تجاوزت تداعياتها الميدانية لتكشف زيف الخطابات لنخب ظلت لسنوات تتدثر بعباءة الواقعية السياسية، وبعنوان: “الأرض مقابل السلام”. في هذا النقاش؛ لا يُقرأ خطاب هذه النخب كوجهة نظر عابرة، بل كفعل وظيفي يسعى لتكريس الهيمنة عبر توفير المسوغات الأخلاقية لسياسات البطش الصهيوني.

  1. أدوات الخطاب والابتزاز النفسي

تمارس هذه النخب عبر خطابها ما يمكن تسميته بالتوهين النفسي؛ وهي عملية تهدف إلى فصل العلاقة العضوية بين الفعل المقاوم وحاضنته الشعبية. من خلال الإفراط في استخدام نموذج “التكلفة والعائد” بمفهومه المادي الضيق، في معيارية مغالطة تقوم بموازنة التضحيات الجسام التي يقدّمها الشعب الفلسطيني ومقاومته في غزة، مع النتائج الآنية والمباشرة، العملياتية في هذه الحرب؛ إذ يجري تصوير المقاومة كعبء أمني ومعيشي بدلا من كونها فعلَ تحرُّرٍ وجودي وحضاري. هذا الخطاب يهدف إستراتيجيا إلى هندسة الوعي، إذ يغدو الاحتلال هو المعطى الثابت والواقع الدائم، والمقاومة هي المتغير المؤقت والوضع المنفلت الذي أفسد سياقات الحياة اليومية.

  1. التناغم الوظيفي والشرعنة

لا يمكن أن يكون تقاطع خطاب هذه النخب مع أهداف الكيان تقاطعا عرضيا، بل هو تناغم منهجي يوفر للمحتل رأسمالا رمزيا يُوظفه في المحافل الدولية. حين تتبنى النخب قاموسا يصف معركة أكتوبر بـ”الاعتداء” بدلا من “المعركة”، وتسمي الأسرى “سجناء”، والشهداء “قتلى”، والمقاومين “مسلحين”، وتستبدل مصطلح الأسْر بـ”الاختطاف”، والمقاومة بـ”العنف”، والمواجهة بـ”المغامرة”.. فإنها بهذا لا تمارس حيادا بل تمنح الآلة الهمجية الصهيونية صك براءة مباشرا. هذا الخطاب سمح للمحتل بالادِّعاء بوجود إجماع إقليمي على سياسات الإبادة تحت غطاء تطهير المنطقة من الفوضى، وهو ما حملته دبلوماسيته إلى عواصم العالم لتسوِّق أن الأصوات العاقلة من أصحاب القضية (النخب العربية الرسمية وغير الرسمية) يشاركونه الرؤية، مما يحِّول هذه النخب إلى شركاء في شرعنة الجريمة وبيادق لتطبيع نتائجها.

  1. الفئات الوظيفية وسياقاتها

تتوزَّع هذه النخب على ثلاث فئات رئيسية تلتقي في أهدافها مع سردية المحتل:

– فئة سلطة رام الله وما يدور حولها من شبه مؤسسات: وهي الفئة المرتبطة بعناصر التنسيق الأمني ومنابرها الإعلامية، إذ ترى في أي فعل مقاوم تهديدا للامتيازات التي يمنحها الارتهانُ الوظيفي للمحتل، وهي تعمل على تجريم السلاح لضمان بقاء دورها الوظيفي كمدير للخدمات الأمنية تحت سلطة الاحتلال.

– فئة النخب العربية الرسمية بإيديولوجياتها العلمانية: والتي تنظر إلى كل قضية سياسية كفرصة لتحقيق مكاسب إيديولوجية ضيقة، خاصة بعد الانكشاف الحضاري والفشل السياسي والاجتماعي في حكمها للعالم العربي الذي جاوز الستة والسبعة عقود، عقبا لفترة الاستعمار؛ فهي لا ترى في المقاومة إلا نموذجا مهددا لأنظمتها التي تتهادى أمام تحديات الوضع الداخلي اكراهات الواقع الدولي، فهي تفضل انكسار هذا النموذج لغاية بقائها على منصات الحكم.

– فئة الجماعات الدينية الوظيفية: التي تقع تحت توجيهات المخابر الأمنية وما يُسنَد إليها من أدوار، إذ تعتقد أنها بملاسناتها يمكن أن تسحب الشرعية الإسلامية عن المقاومة، غايةً في تنفير القوى الشعبية الحاضنة، ومستخدِمة في ذلك اجتزاء النصوص لتبرير الاستكانة، تحت شعارات “حقن الدماء” و”طاعة ولي الأمر”، حتى لو كان متواطئاً؛ وحتى لو طبّع وخان.

إن هذا التحالف النخبوي يهدف في المحصلة إلى فرض الهيمنة الإدراكية؛ وهي الحالة التي يقبل فيها الضحية بتعريف الجلاد للحق والباطل، وتتحول فيها المطالبة بالحرية إلى خروج عن النص الدولي.

ثانيا: من الإدانة إلى نزع السلاح

لم يتوقف دور هذه النخب عند حدود الإدانة “الأخلاقية” على الزعم؛ ولا النقد السياسي المرفوع، بل تجاوزه إلى ما هو أخطر؛ وهو دعم شرعية بديلة كاذبة. هذه الشرعية لا تستند إلى حقوق الشعب الفلسطيني الطبيعية والتاريخية، بل إلى التماهي المطلق مع المشاريع الإقليمية والدولية التي تروِّج للاستسلام؛ كمسار وحيد للحياة، وهي تمثل أجندة العدو التي تُهندَس في مختبراته ثم تُعرَض على الوسطاء للتسويق والتنفيذ، بما يستهدف تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى ملف إنساني واقتصادي يُدار بالوعود الوهمية.

  1. شيطنة المقاومة ونزع السلاح

تعمل هذه النخب على تقديم سردية بديلة تقلِّب الحقائق رأسا على عقب؛ إذ يجري تصوير سلاح المقاومة كعائق أمام السلام وكذريعة لاستمرار القتل، بدلا من كونه الأداة الوحيدة لردع المحتل وإبقاء القضية حية وحماية الوجود. هذه المطالبة العلنية بنزع السلاح تحت وطأة الإبادة ليست مجرد رأي سياسي، بل هي عملٌ منهجي لسحب الشرعية عن جوهر الكفاح المسلح، وتحويله في الوعي الجمعي من حق كفلته الشرائع والمواثيق الدولية إلى مغامرة غير محسوبة العواقب تجلب الدمار والوبال. إنها محاولة لثني الوعي الفلسطيني، إذ يُنظر إلى السلاح -الذي هو وسيلة الدفاع الوحيدة- كعبء يجب التخلصُ منه، لا كحق وطني وواجب حضاري لا يمكن الاستقالة منه.

  1. التماهي مع إستراتيجية الكيان في نفي الحق النضالي

إن هذا الطرح النخبوي يتماهى كليًّا مع الإستراتيجية الصهيونية الرامية إلى نزع الصفة النضالية عن الشعب الفلسطيني وتحويله إلى كتلة بشرية تبحث عن العيش بسلام تحت سقف الاحتلال؛ فحين تتحدث النخب عن نزع السلاح كشرط لوقف البطش، فإنها تمنح الاحتلال اعترافا مباشرا بأن عدوانه هو رد فعل شرعي ومبرَّر بوجود السلاح، وليس نتاج عقيدة استيطانية إحلالية تهدف لإبادة الأرض والإنسان. هذا التحول الدراماتيكي في الخطاب برر للمحتل استهداف الحاضنة الشعبية وتكثيف القتل والتنكيل، مستندا إلى غطاء نخبوي محلي يشرعن الجريمة عبر إلقاء اللائمة على الضحية التي اختارت واجبها في مقاومة الاحتلال.

  1. مجلس السلاموالسراب الموعود

يبرز هنا الدور الوظيفي لهذه النخب في الترويج لمسارات السلام التصفوية؛ بدءًا من كامب ديفيد ومرورا بوادي عربة ومدريد وأوسلو، ووصولا إلى النسخة الأخيرة والمكثفة التي صاغها ترامب ومن خلفه الاحتلال وسماها إيهاما “مجلس السلام”. هذا المشروع الموهم يهدف إلى استبدال الحقوق السياسية والسيادية بوعود الرخاء المادي تحت وصاية إقليمية ودولية، وبشرط أساسي هو تصفية المقاومة وإنهاء أي ملمح للتحرر الوطني. إن انخراط النخب في تسويق هذا السراب هو محاولة لفرض الاستسلام المشرعن، إذ يُطلَب من الفلسطيني أن يقايض هويته وأرضه وسلاحه بمشاريع تنموية تُدار بعقلية أمنية، وهو ما يمنح الكيان فرصة ذهبية لفرض سيطرته الشاملة بحد أدنى من التكلفة وبغطاء دولي وعربي بالخصوص.

إن هذا المسار الخطابي يمثل الجسر الذي يعبر عليه الاحتلال لتصفية ما تبقى من ثوابت القضية، محوِّلا الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني إلى مجرد أزمة إدارية تُحلّ بتفكيك أدوات القوة، وهو ما يضع هذه النخب في مواجهة مباشرة مع الحقيقة التاريخية التي تقول: إن الشعوب لا تتحرَّر بالتنازل عن قرونها أو أظافرها أمام المفترس.

ثالثا: آليات التناغم الوظيفي: من الخطاب إلى التنفيذ الميداني

لا يقف التناغم بين هذه النخب والاحتلال عند حدود التنظير السياسي أو الدبلوماسي، بل يتجسد في منظومة ممارسات تتكامل عضويًّا مع آلة الحرب. هنا يتحول الخطاب النخبوي من مجرد كلمات إلى قوة دافعة لتغيير الوقائع على الأرض، عبر مسارات تنفيذية تهدف إلى محاصرة الفعل المقاوِم وتفكيك بنيته التحتية.

  1. المسار الأمني: التنسيق كدرع حمايةٍ للمحتل

يتجلى الوجه الأكثر قتامة لهذا التناغم في “الوظيفية الأمنية”، إذ تُترجم مواقف هذه النخب إلى ملاحقة ميدانية للمقاومين وتفكيك خلاياهم، وهذا ما نشهده في دور سلطة رام الله بالضفة الغربية. هذا الدور، الذي يُغلف بذرائع “منع الفوضى” و”الحفاظ على المشروع الوطني”، يؤدي وظيفيا إلى تقليل الكلفة الأمنية والبشرية للاحتلال، فهو يضمن للمحتل استقرار جبهات كاملة بجهد محلي، ليتفرغ لآلة الإبادة في جبهة أخرى، مما يجعل من المنظومة الأمنية المحلية جدار حماية أولا للاحتلال في وجه أي نهوض شعبي شامل.

  1. المسار الإعلامي: التعهد الدعائي لشرعنة الجريمة

تعمل الآلة الإعلامية لهذه النخب كظهير دعائي غير مباشر للاحتلال؛ فبينما يواجه الكيان مآزق قانونية وأخلاقية دولية بسبب جرائمه، تخرج هذه النخب لتؤكد أن الضحية هي المسؤول الأول عن دمارها. هذا الدور يتجاوز مجرد التثبيط النفسي إلى “الشرعنة الدولية”؛ إذ يستند الاحتلال إلى هذه الأصوات ليقول للعالم إن “الأصوات العاقلة” في المنطقة تُحمِّل المقاومة مسؤولية المحرقة، مما يفرغ الجريمة الصهيونية من محتواها القانوني ويحولها في السردية الإعلامية إلى فعل دفاعي مبرر.

  1. المسار الإداري: هندسة الوكيل المحلي لإدارة الركام

في هذا المسار، تسعى النخب إلى تقديم نفسها كبديل إداري “عاقل” ومستعد لإدارة الأوضاع في “اليوم التالي” للحرب، تحت شعارات الإنسانية وتقديم المساعدات وإعادة الإعمار. هذا الاستعداد المسبق للعب دور الوكيل الإداري يمنح الاحتلال الطمأنينة للاستمرار في عمليات التصفية، طالما أن هناك نخبة محلية جاهزة لتسلم المهام الخدمية تحت سقف الترتيبات الأمنية الصهيونية. وهي محاولة لتحويل الصراع من قضية تحرُّر وطني إلى مجرد عملية “إدارة سكان” تحت حكم وكلاء محليين يضمنون الهدوء مقابل بقاء امتيازاتهم الدولية والإقليمية.

إن هذا الانتقال من الخطاب إلى الممارسة يؤكد أننا أمام هندسة شاملة للاستسلام؛ تبدأ بتسميم الوعي بالكلمة، وتنتهي بتأمين حركة المحتلّ على الأرض وتجريم ملاحقته. وهو ما يُثبت أن الدور الوظيفي لهذه النخب هو الركيزة الميدانية التي يراهن عليها الاحتلال لإدامة وجوده وتصفية القضية.

ختامًا، نقول: إنه وإن كانت حرية الانتقاد السياسي مكفولة للجميع كاجتهادات بشرية، إلا أنه عندما يتعلق الأمر بصراع وجودي، وعندما تكون الإبادة هدفا وليست عقابا، وعندما يعني التكتيك تجريد الضحية من سلاحها لإتاحة الفرصة للمجرم للاستفراد بها.. فإننا نخرج من سياق “استقلال الرأي” لندخل في سياق “الدور الوظيفي” المتكامل مع أهداف المحتل، ومن سياق “الحرية” إلى سياق “الخيانة” التي لا يمكن أبدا أن تكون وجهة نظر!.. والتساؤل الذي يُطرح: ماذا لو حدث يوما و”تُبَسْتَن” (على شاكلة وثائق إبيستين) إيميلات هذه النخب ومراسلاتهم؟ الأكيد أن القذارة ستتجاوز ما شهدته “جزيرة الشياطين”.

لا يمكن أن يكون تقاطع خطاب هذه النخب مع أهداف الكيان تقاطعا عرضيا، بل هو تناغم منهجي يوفر للمحتل رأسمالا رمزيا يُوظفه في المحافل الدولية. حين تتبنى النخب قاموسا يصف معركة أكتوبر بـ”الاعتداء” بدلا من “المعركة”، وتسمي الأسرى “سجناء”، والشهداء “قتلى”، والمقاومين “مسلحين”، وتستبدل مصطلح الأسْر بـ”الاختطاف”، والمقاومة بـ”العنف”، والمواجهة بـ”المغامرة”.. فإنها بهذا لا تمارس حيادا بل تمنح الآلة الهمجية الصهيونية صك براءة مباشرا.

* تعمل الآلة الإعلامية لهذه النخب كظهير دعائي غير مباشر للاحتلال؛ فبينما يواجه الكيان مآزق قانونية وأخلاقية دولية بسبب جرائمه، تخرج هذه النخب لتؤكد أن الضحية هي المسؤول الأول عن دمارها. هذا الدور يتجاوز مجرد التثبيط النفسي إلى “الشرعنة الدولية”؛ إذ يستند الاحتلال إلى هذه الأصوات ليقول للعالم إن “الأصوات العاقلة” في المنطقة تُحمِّل المقاومة مسؤولية المحرقة، مما يفرغ الجريمة الصهيونية من محتواها القانوني ويحولها في السردية الإعلامية إلى فعل دفاعي مبرر.

تعمل هذه النخب على تقديم سردية بديلة تقلِّب الحقائق رأسا على عقب؛ إذ يجري تصوير سلاح المقاومة كعائق أمام السلام وكذريعة لاستمرار القتل، بدلا من كونه الأداة الوحيدة لردع المحتل وإبقاء القضية حية وحماية الوجود. هذه المطالبة العلنية بنزع السلاح تحت وطأة الإبادة ليست مجرد رأي سياسي، بل هي عملٌ منهجي لسحب الشرعية عن جوهر الكفاح المسلح، وتحويله في الوعي الجمعي من حق كفلته الشرائع والمواثيق الدولية إلى مغامرة غير محسوبة العواقب تجلب الدمار والوبال.

هذا الطرح النخبوي يتماهى كليًّا مع الإستراتيجية الصهيونية الرامية إلى نزع الصفة النضالية عن الشعب الفلسطيني وتحويله إلى كتلة بشرية تبحث عن العيش بسلام تحت سقف الاحتلال؛ فحين تتحدث النخب عن نزع السلاح كشرط لوقف البطش، فإنها تمنح الاحتلال اعترافا مباشرا بأن عدوانه هو رد فعل شرعي ومبرَّر بوجود السلاح، وليس نتاج عقيدة استيطانية إحلالية تهدف لإبادة الأرض والإنسان.

يتجلى الوجه الأكثر قتامة لهذا التناغم في “الوظيفية الأمنية”، إذ تُترجم مواقف هذه النخب إلى ملاحقة ميدانية للمقاومين وتفكيك خلاياهم، وهذا ما نشهده في دور سلطة رام الله بالضفة الغربية. هذا الدور، الذي يُغلف بذرائع “منع الفوضى” و”الحفاظ على المشروع الوطني”، يؤدي وظيفيا إلى تقليل الكلفة الأمنية والبشرية للاحتلال، فهو يضمن للمحتل استقرار جبهات كاملة بجهد محلي، ليتفرغ لآلة الإبادة في جبهة أخرى، مما يجعل من المنظومة الأمنية المحلية جدار حماية أولا للاحتلال في وجه أي نهوض شعبي شامل.

مقالات ذات صلة