الرأي

خطاب إلى أخي‮ ‬الحاج‮ “‬س‮”‬

عبد الرزاق قسوم
  • 2792
  • 0

يا أخي‮ ‬الناسك،‮ ‬أيّها الحاج‮ “‬س‮” ‬من بلاد‮ ‬‭”‬س‮”. ‬سواء أكنت من بلاد الهند أم بلاد السند،‮ ‬وسواء أكنت من أفغانستان أو أزبكستان أو كردستان أو داغستان،‮ ‬أو‮ “‬داعشتان‮” ‬أو كنت من وهران أو طهران،‮ ‬أو الظهران أو فزان أو عمّان،‮ ‬فأنت في‮ ‬النهاية حاجٌ‮ ‬مسلم،‮ ‬أديتَ‮ ‬المناسك،‮ ‬وعدتَ‮ ‬إلى ناسِكْ‮. ‬ولكن بأيِّ‮ ‬المناسكِ‮ ‬أخذتَ؟ وبأيِّ‮ ‬المعاني‮ ‬الدينية عُدتَ؟‮.‬

فإنّك الآن،‮ ‬وقد عُدتَ‮ ‬إلى بلادِك،‮ ‬تعيشُ‮ ‬ذكريات الحجّ‮ ‬هذا العام،‮ ‬وكم في‮ ‬الحجِّ‮ ‬من مشاهد،‮ ‬يظلُّ‮ ‬الحاجُ‮ ‬يعيش على فصولها ردحًا طويلاً‮ ‬من الزّمن‮.‬

إنّ‮ ‬المشهد العالمي‮ ‬الكوني،‮ ‬الذي‮ ‬يقدِّمه منسكُ‮ ‬الحجِّ،‮ ‬لهو من المشاهدِ‮ ‬النادرة،‮ ‬التي‮ ‬قلّ‮ ‬أن‮ ‬يعثُر عليها إنسان في‮ ‬غيرِ‮ ‬الحجّ‮. ‬فهذه البساطةُ‮ ‬في‮ ‬اللّباسِ،‮ ‬ممثلة في‮ ‬رمزية الكفن درسٌ‮ ‬لما بعد الموتِ،‮ ‬يعيشه الإنسان مذكِرًا إيّاهُ‮ ‬بما‮ ‬يخرجُ‮ ‬به من هذه الدنيا،‮ ‬أيًّا كان منصبُه،‮ ‬ومهما‮ ‬يكن موقِعهُ،‮ ‬وأيًّا كانت أملاكه في‮ ‬الحياة الدنيا‮.‬

ويتساوَى الكلُّ‮ ‬في‮ ‬هذا المكان،‮ ‬بينَ‮ ‬الحاكِم والمحكومِ،‮ ‬والعنيِّ‮ ‬والفقير،‮ ‬والعالِمِ‮ ‬والأميِّ،‮ ‬والعربيِّ‮ ‬والأعجمي،‮ ‬والأبيض والأسود،‮ ‬والقاصي‮ ‬والدّاني،‮ ‬كلّ‮ ‬ذلك‮ ‬يمثِّل درسًا آخر في‮ ‬العدل،‮ ‬والمساواة،‮ ‬تذكيرًا بوقوفنا‮ ‬يوم العرضِ‮ ‬الأكبرِ‮ ‬أمام الله‮.‬

وأمّا التلبيّة بلسانٍ‮ ‬جماعي‮ ‬واحد‮ “‬لبيكَ‮ ‬اللّهمَ‮ ‬لبيك‮!” ‬ممزوجةً‮ ‬بالأنين والدّموع والذهولِ‮ ‬عن الدنيا،‮ ‬والارتباط بالعالم الأخرويّ‮ ‬طلبًا للاستغفارِ،‮ ‬والتّوبة،‮ ‬فتمثِّلُ‮ ‬أيضًا مشهدًا فريدًا آخر‮ ‬يذَّكِرنا بزلزلة السّاعة‮ »‬يَوْمَ‮ ‬تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ‮ ‬كُلُّ‮ ‬مُرْضِعَةٍ‮ ‬عَمَّا أَرْضَعَتْ‮ ‬وَتَضَعُ‮ ‬كُلُّ‮ ‬ذَاتِ‮ ‬حَمْلٍ‮ ‬حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ‮ ‬سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ‮ ‬عَذَابَ‮ ‬اللَّهِ‮ ‬شَدِيدٌ‮« ‬الحج‮ ‬2‮.‬

كلّ‮ ‬هذه المشاهد الرّائعة المروِّعة،‮ ‬يعيشُ‮ ‬الحاجُ‮ ‬الآن على وقعِها،‮ ‬وعلى هولِها،‮ ‬ليُدرِك سرَّ‮ ‬الحجِّ،‮ ‬وما بعدهُ،‮ ‬فيتيقن بأنّ‮ ‬منسكَ‮ ‬الحجِّ‮ ‬لا‮ ‬ينتهي‮ ‬بالتحلّلِ‮ ‬من الإحرامِ،‮ ‬وأداءِ‮ ‬طوافِ‮ ‬الوداعِ،‮ ‬بل أنّه عهدٌ‮ ‬ستظلُّ‮ ‬تبِعاتُه تلاحِق الحاجَّ‮ ‬بعد أن أخذ عهدًا من الله أن‮ ‬يستقيمَ،‮ ‬ويستكينَ،‮ ‬فيتحلّلَ‮ ‬من كلّ‮ ‬الآفاتِ‮ ‬التي‮ ‬كانت قبل الحجِّ،‮ ‬ومن المظالِم،‮ ‬والمفاسِد الاقتصادية،‮ ‬أو الاجتماعية أو الأخلاقية،‮ ‬أو السياسية،‮ ‬ليصيرَ‮ ‬كيومِ‮ ‬ولدتهُ‮ ‬أمّه صفحةً‮ ‬بيضاءَ،‮ ‬يوشِكُ‮ ‬أن تُصافحه الملائكة‮.‬

غيرَ‮ ‬أنّ‮ ‬الحجَّ‮ ‬دروسٌ،‮ ‬وعبرٌ‮ ‬أخرى‮ ‬غيرَ‮ ‬ما توحِي‮ ‬به المشاهِدُ‮ ‬الماديّة،‮ ‬من بساطةٍ‮ ‬وزهدٍ‮ ‬وتنسُّك‮. ‬إنّها‮ ‬غسلٌ‮ ‬للرُّوحِ‮ ‬من أدرانها،‮ ‬وطهارةٍ‮ ‬للقلب من وساوِسِه،‮ ‬وعروجٌ‮ ‬بالعقلِ‮ ‬إلى ملكوتِ‮ ‬الله،‮ ‬وإحساسٌ‮ ‬بعمقِ‮ ‬الانتماءِ‮ ‬إلى هذا الدّينِ‮ ‬الإسلاميِّ‮ ‬في‮ ‬سموِّهِ‮ ‬وعلوِّهِ،‮ ‬وطهرِه وذخره،‮ ‬للشعورِ‮ ‬بالعزّةِ‮ ‬والقوّة من حيث العدَّة والعدد،‮ ‬فيسمُو المسلِم بذلك عن الغثائيةِ،‮ ‬ليعبُر من ذلك إلى الوِحدةِ‮ ‬في‮ ‬الإمامةِ،‮ ‬والقيادةِ،‮ ‬والانقيادية‮.‬

لكن ـ وا أسفاه ـ هناكَ‮ ‬في‮ ‬الحجِّ‮ ‬مشاهد تنغِّصُ‮ ‬على الحاجِّ‮ ‬الواعي‮ ‬شعورَه بالانتماءِ،‮ ‬وإحساسَه بالعزّةِ،‮ ‬وتوقانَه نحو الأفضلية البشرية‮.‬

فلا تزالُ‮ ‬بعض المناظر التي‮ ‬يقدِّمها حجيجُ‮ ‬المسلمين في‮ ‬المشاعرِ‮ ‬تعلُو أحيانًا عن مشهدِ‮ ‬الانضباطِ،‮ ‬والسيرِ‮ ‬على الصّراط،‮ ‬والوقوعِ‮ ‬في‮ ‬الكثير من الأخطاء والأغلاط‮.‬

فهذه الفوضى التي‮ ‬لا نزال نعيشها في‮ ‬الطوافِ‮ ‬حول الكعبة،‮ ‬وما‮ ‬يصاحِبها من تزاحمٍ‮ ‬على الحجرِ‮ ‬الأسود لتقبيله،‮ ‬بأيِّ‮ ‬ثمن،‮ ‬ولا نراعي‮ ‬في‮ ‬ذلك حرمة المرأة،‮ ‬ولا عجز الشيخوخة،‮ ‬ولا ضعفَ‮ ‬المريضِ‮ ‬أو المعاق،‮ ‬هي‮ ‬فوضى تفسِد على الحاجِّ‮ ‬تسبيحاته الملكوتية،‮ ‬وتذَّكِرهُ‮ ‬بالحقيقة المرّة،‮ ‬وهي‮ ‬تخلّفُ‮ ‬الإنسان المسلِم بالرّغمِ‮ ‬مما‮ ‬يتمظهرُ‮ ‬به من نُسك،‮ ‬وما‮ ‬يجب أن‮ ‬يتحلّى به من إيمان،‮ ‬وأمن وأمان‮.‬

وهذا التّدافع أمام مشعرِ‮ ‬منًى،‮ ‬وما صحِبَه من عنفٍ‮ ‬مميتٍ،‮ ‬واندفاعٍ‮ ‬مقيتٍ،‮ ‬قد شوّهَ‮ ‬المنظرَ،‮ ‬وزرعَ‮ ‬المأساةَ‮ ‬حولَ‮ ‬المشعرِ،‮ ‬وحوَّل‮ “‬الحجَّ‮ ‬الأكبرَ‮” ‬إلى سلوكٍ‮ ‬مشين،‮ ‬وتديُّنٍ‮ ‬أخطَر‮.‬

هذا إضافة إلى اللامبالاةِ‮ ‬في‮ ‬رميِ‮ ‬الأوساخِ‮ ‬وعدمِ‮ ‬الوقايةِ‮ ‬من أسباب الاتّساخِ‮ ‬والانسلاخِ،‮ ‬وهي‮ ‬كلّها مناظر تُضعِف الجهودَ‮ ‬المبذولةَ‮ ‬التي‮ ‬تُذكَرُ‮ ‬فتُشكَر من القائمين على المشاعر،‮ ‬فتشوِّهُ‮ ‬صورة المسلمين في‮ ‬أقدسِ‮ ‬البِقاعِ،‮ ‬وتُقدِّمُ‮ ‬أبشعَ‮ ‬منظرٍ‮ ‬عنهم لباقي‮ ‬الأصقاع‮.‬

إنّ‮ ‬الحقيقة التي‮ ‬لا مِراءَ‮ ‬فيها ـ بالرّغمِ‮ ‬من كلِّ‮ ‬هذا ـ هي‮ ‬أنّ‮ ‬القائمين على شؤونِ‮ ‬الحرمين،‮ ‬يبذلونَ‮ ‬كلّ‮ ‬جهدٍ‮ ‬في‮ ‬سبيلِ‮ ‬خدمةِ‮ “‬ضيوفِ‮ ‬الرّحمن‮” ‬فهم‮ ‬ينفقون من أجلِ‮ ‬ذلك كلّ‮ ‬ما أمكن،‮ ‬لتسهيل مناسِكِ‮ ‬الحجِّ،‮ ‬ولكن هذا الجهد‮ ‬يوشِكُ‮ ‬أن‮ ‬يتداعى على صخرةِ‮ ‬فوضى بعضِ‮ ‬المسلمين الذين‮ ‬يأتونَ‮ ‬إلى الحجِّ‮ ‬دون إعدادٍ،‮ ‬وبلا زاد،‮ ‬فيشيعون في‮ ‬الحجِّ‮ ‬الفوضى والفساد‮.‬

وإنّني‮ ‬بدافعٍ‮ ‬من الإيمانِ‮ ‬بضرورةِ‮ ‬إصلاحِ‮ ‬المشاهدِ‮ ‬المؤذيةِ‮ ‬في‮ ‬الحجّ،‮ ‬والتقليل من بعض المناظرِ‮ ‬المفسِدةِ‮ ‬على الحجيجِ‮ ‬عمقَ‮ ‬تأمّلهم وسموَّ‮ ‬تنسُّكِهم أهمسُ‮ ‬في‮ ‬آذانِ‮ ‬القائمين على الحجِّ‮ ‬ببعضِ‮ ‬المقترحاتِ‮ ‬التي‮ ‬آملُ‮ ‬أن‮ ‬يُستجابَ‮ ‬لها،‮ ‬أو أن تكونَ‮ ‬محلَّ‮ ‬دراسةٍ‮ ‬من جانبِ‮ ‬الهيئة العلمية المكلَّفة بمشاعر الحجِّ‮ ‬وتتمثّل المقترحات في‮ ‬ما‮ ‬يلي‮: ‬

1‭- ‬إعادة النظر في‮ ‬مسألة الطواف والسّعي،‮ ‬فيعادَ‮ ‬تنظيمها إمَّا زمانيًا أو إقليميًا في‮ ‬وقت الحجّ،‮ ‬بحيثُ‮ ‬يُخصّصُ‮ ‬زمن معيّن أو طابق معيّن لبلدٍ‮ ‬ما أو منطقة ما،‮ ‬في‮ ‬حدودِ‮ ‬ما‮ ‬يَسمحُ‮ ‬به التنظيم‮.‬

2‭- ‬توحيد الفتوى‮ ‬‭_‬على جميع المذاهِب‮- ‬بالنسبة لرميِ‮ ‬الجمرات،‮ ‬من حيث الزّمن،‮ ‬وما‮ ‬ينتج عن ذلك من الوقوف بمزدلفة،‮ ‬مراعاةً‮ ‬للمصلحة العامّة‮.‬

3‭- ‬العودة إلى ما كان عليه المسجِدان في‮ ‬مكّة والمدينة،‮ ‬من فتحهما أمام كلّ‮ ‬المذاهب،‮ ‬بحيث‮ ‬يمكن أن‮ ‬يصلي‮ ‬النّاس فيهما أئمة كلّ‮ ‬مذهب‮. ‬فالنّاس‮ ‬يتساءلون‮ ‬‭_‬مثلاً‮- ‬عن القنوت،‮ ‬الذي‮ ‬تقول به كلّ‮ ‬المذاهب ماعدا المذهب الحنبلي،‮ ‬لماذا‮ ‬يغيبُ‮ ‬القنوت بتاتًا من صلاةِ‮ ‬الصّبح؟ لماذا لا‮ ‬يُصلي‮ ‬الأئمة بالقنوتِ‮ ‬أحيانًا وبدونه أحيانًا أخرى تجسيدًا لمبدأ الانفتاح المذهبي،‮ ‬وتبيانًا للتنوّع المذهبي‮ ‬داخل الوحدة الإسلامية‮.‬

4‭- ‬نريد من خادِم الحرمين الشريفين،‮ ‬الملك سلمان‮ ‬‭_‬حفظه الله‮- ‬أن‮ ‬يضيف إلى مكارمِه مكرُمة استدعاء أئمة ومقرئين من العالم الإسلامي‮ – ‬في‮ ‬رمضان‮ – ‬مثلاً،‮ ‬لإمامةِ‮ ‬المسلمين في‮ ‬الحرمين الشريفين،‮ ‬وإيفاد أئمة الحرمين إلى باقي‮ ‬أقطار الأمّة الإسلامية تعميمًا للفائدة،‮ ‬وفي‮ ‬إطار التكامل الإسلامي‮.‬

5‭- ‬تزويد الحرمين الشريفين بمصاحف على مذهب ورش وغيره،‮ ‬كترسيخٍ‮ ‬لحقائق معرفية،‮ ‬يتعبَّدُ‮ ‬بها المسلمون في‮ ‬بلدانهم،‮ ‬وتطبيقًا لواقع المسلمين الذي‮ ‬يتوِّجُه الحرمان الشريفان‮.‬

إنّني‮ ‬بدافعِ‮ ‬من الحرصِ‮ ‬على إصلاحِ‮ ‬ما‮ ‬يمكنُ‮ ‬إصلاحه،‮ ‬أطلق هذه المقترحات،‮ ‬التي‮ ‬لا أريد بها إلاّ‮ ‬وجه الله‮ {‬إِنْ‮ ‬أُرِيدُ‮ ‬إِلاَّ‮ ‬الإِصْلاَحَ‮ ‬مَا اسْتَطَعْتُ‮ ‬وَمَا تَوْفِيقِي‮ ‬إِلاَّ‮ ‬بِاللّهِ‮ ‬عَلَيْهِ‮ ‬تَوَكَّلْتُ‮ ‬وَإِلَيْهِ‮ ‬أُنِيبُ‮ ‬‭}‬هود88‮.  ‬

مقالات ذات صلة