الرأي

خطبة السديس بعرفة.. وسبيلنا للتحرر من الفتنة

صالح عوض
  • 5417
  • 0

في مرحلة تاريخية صعبة تعمقت فيها أسافين التمزق والتفسيخ في أمة الاسلام.. في مرحلة كثر اللغط وامتدت الألسنة تهرف بما لا تعرف معتدية على أكبر المقدسات وهي وحدة الأمة، واصبحت فيها حياض الأخوّة الدينية متهتكة ولا عصمة لدم او حق بفعل تشدّد في غير موضعه وتجنح الى الرأي مخل برسالة الدين السمحة والرحمة والتي تهدي الناس للخير والتعاون والمرحمة.

 في هذه المرحلة التي اختفت فيها أصوات الضمير والعقل والنباهة، جاءت خطبة يوم عرفة للشيخ السديس إمام الحرم المكي الذي القى خطابا مكتوبا في ملايين الحجاج في هذا الموسم الديني الجليل يُعتبر بمثابة رؤية علمية مسئولة واضحة للعلاقة بين المسلمين، وإشارات ورسائل مهمة لأطراف عديدة كان ينبغي ان يسلَّط عليها الضوء اكثر من قبل الإعلاميين والساسة في الوطن العربي لعدة اسباب، اولها انها خطبة تعبِّر الى حد كبير عن رؤية المملكة السعودية، ثم لأنها جاءت بعد مواقف المفتي السعودي عبد العزيز آل شيخ من قضايا الخلافات داخل الامة والتي حملت تصعيدا حادا.

وقف الشيخ السديس يوجِّه رسائل في كل اتجاه، داخلية وخارجية، ويرسم معالم سياسة مرحلة قادمة، او على الاقل يطرح احتمالاتٍ لسياسة قريبة التناول ينبغي على كل من كان مقصودا برسالةٍ منها ان يلبي سمعا وطاعة لما تحمله من توازن وانصاف..  لقد نبّه منذ البداية إلى أنه على الإعلام ان لا يكون عامل هدم وتخريب في الامة: “يا رجال الإعلام وارباب مواقع الاتصال.. الله الله في تسخير الإعلام ووسائله ومواقعه في نصرة الدين والدفاع عن الاسلام، وبيان محاسنه، والامانة ومصداقية الحَرف، وامانة الكلمة، والتزام الحقيقة والموضوعية، والبُعد عن الإثارة والإشاعات، اجعلوها تبني ولا تهدم، وتجمع ولا تفرِّق، وتقوِّي ولا تُضعِف”، ووجه رسالته الى العلماء والدعاة “بإظهار محاسن الدين الاسلامي وان لا يكونوا سببا في تفرقة الامة وضرورة افتاء الناس من غير تساهل ولا تشدُّد”.. موضحا: “ان الاسلام هو دين الوسطية”. وخاطب قادة الأمة الاسلامية أن يستشعروا عظم الأمانة والمسؤولية الملقاة على عاتقهم، داعيا إياهم لمعالجة كل ما يطرأ من مسبِّبات الفرقة والاختلاف بين الدول الاسلامية بالحوار والانصاف ورفع الظلم عن المظلومين، وداعيا الى الاهتمام بقضية الأمة الكبرى: فلسطين والأقصى، ومذكّرا بأوضاع المسلمين في الشام والعراق وغيرهما.. 

وأضاف السديس – في خطبة عرفة التي يلقيها لأول مرة بعد اعتذار مفتي المملكة عبد العزيز آل الشيخ الخطيب الأساسي لعرفة منذ 35 عاما– إن أمتنا الإسلامية أحوج ما تكون الآن الى الحوار لمناقشة قضاياها وحل مشكلاتها.. كما حذر إمامُ وخطيب المسجد الحرام من كل ما يفرِّق الصف ويشتِّت الكلمة ويمزِّق الشمل، مشيرا الى “أن من عوامل الزيغ والضلال في الأمة التسارع في تكفير أهل القبلة”.. “احذروا الحزبيات والتصنيفات والفرقة والانقسامات، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم”. 

بلا شك هذا القول يمكن التأسيس عليه لأنه واضحٌ تماما ومتكامل تماما ويستشعر المسئولية الحقيقية تجاه الامة كلها، انه يعيد الى الوعي بأن قضية فلسطين والقدس هي قضية الأمة الكبرى، وهذه قاعدة الوعي الاستراتيجي التي بضياعها تضل الأمة وتتوه في دهاليز السفسطات المقيتة والحروب الدامية الداخلية التي تفتك بكلِّ مقدَّس.. ثم أنه يبيِّن مبدأ آخر وذلك ما يتعلق بالتعامل بين قادة الدول الإسلامية المتنازِعة والمختلفة ويضع الامانة بين أيديهم ويقوم بتحميلهم المسئولية والواجب فيدعوهم إلى معالجة كل ما يطرأ من مسبِّبات الفرقة والاختلاف بالحوار والإنصاف ورفع الظلم.. ثم ذهب ليقدِّم موقفا واضحا من حالة التكفير والتشدد والتنطع التي ابتليت بها مجتمعاتنا الاسلامية فطالب العلماءَ والدعاة بإظهار محاسن الدين الاسلامي ورحمته وسماحته وعدله وألا يكونوا سببا في تفرّق الأمة، مؤكدا ضرورة إفتاء الناس من غير تساهل ولا تشدد، وموضحا أن الاسلام هو دين الوسطية، مذكّرا بقوله تعالى “وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس” وتابع: “خذوا الناس بالتيسير ورفع الحرج” و”ما جعل عليكم في الدين من حرج” و”ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين الا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما”..

أجل، ان هذه العناصر الاساسية التي جاءت في خطبة إمام الحرم المكي كانت بردا وسلاما على القلوب؛ قلوب المؤمنين الذين يدعون الله بأن يفرِّج كرب الأمة ويزيح الفتن ويقي الأمة شرَّ المفسدين المخرِّبين لصفائها وسلامة ضميرها وحسن نيّاتها، فجاءت هذه الخطبة لترفع في وجه الجميع بطاقة حمراء: أن كفى جهلا وتيها وتشدّدا وتكفيرا وتمزيقا للصف والشمل، وأن عليكم أيها المسلمون القيام بواجب تحرير فلسطين والقدس.

بالتأكيد ينبغي عدم عزل هذه الخطبة المهمّة عن جملة التطورات الحاصلة في المنطقة والعالم والتي للمملكة السعودية علاقة مباشرة بها، فهاهو الكونغرس الامريكي يجيز قانون متابعة السعوديين، رسميين او شعبيين، بموجب تقرير التقصي والبحث في أحداث 11 سبتمبر والذي يحاول إلصاق تهم بالسعوديين، والتهديد الأمريكي الخفي بتجميد 750 مليار دولار هي للسعودية في البنوك الامريكية حيث سيُصار الى محاكم قد تجمِّد أموال السعودية وتُخضعها إلى ابتزاز التعويض وسوى ذلك، وفي هذا إشارة واضحة الى أجواء مؤامرةٍ أمريكية تستهدف المملكة واستقرارها السياسي والأمني كما تم تسريبُه من أكثر من جهة أمريكية أمنية وسياسية حول مستقبل المملكة الجغرافي والسياسي، ثم الإتفاق الروسي الأمريكي بخصوص الأوضاع في سورية والذي تجاوز موقف أيّ دولة إقليمية ولم يعد لأي لاعب إقليمي أهمية فيه ولا يُؤخذ برأيه، ثم الانزياح التركي نحو مواجهاتٍ مسلحة ضد “داعش” والقوى الكردية الانفصالية في سورية واقترابه من الموقف الروسي والايراني، والأوضاع الميدانية على الأرض السورية حيث بدأت الدولة السورية تسترجع مبادرة الهجوم وتقوم باسترداد أراضيها من سيطرة المجموعات المسلحة، والوضع في اليمن لا يمكن التنبُّؤ بمساراته ومآلاته، فساحات الحرب لم تعد صنعاء وصعدة وتعز وسواها بل ها هي تمتد الى نجران وجيزان ومواقع في العمق أصبحت محل استهداف صواريخ متوسطة المدى كما أن مدن الحدود السعودية وقراها لم تعد آمنة.. كما أن الأشهر الطويلة من عمليات التحالف السعودي العسكرية لم تفلح في حسم الاوضاع في اليمن لصالح طرف من الاطراف.. هذه المعطيات كلها تتقاذف أمام صانع القرار السعودي الذي يجد ان الحكمة تدعوه إلى خطابٍ جديد وآلية عمل جديدة لعل خطبة الشيخ السديس تكون خطوتها الاولى.

 إن خطبة الشيخ السديس تضع طريقا آمنا لخروج الجميع من وحل الفتن القاتلة.. وإن عدم التعامل بجدية مع ما جاءت به يعني تحقق فقداننا لفرصة ثمينة.. ومن هنا من المنطقي أن تعلو الأصوات من كل المواقع التي في دائرة الاختلاف والتنابز والتصارع لتتمسَّك بالخطبة وما جاءت به كورقة تأسيسية لعمل جاد للتقارب والتفاهم ونزع فتائل الحروب الحرام.. فهل نتدارك الموقف السليم: ما أؤمن به ان ليس لنا بديل عن التفاهم والتوافق؟ تولانا الله برحمته.

* خاطب الشيخ السديس قادة الأمة الإسلامية أن يستشعروا عظم الأمانة والمسؤولية الملقاة على عاتقهم، داعيا إياهم لمعالجة كل ما يطرأ من مسبِّبات الفرقة والاختلاف بين الدول الاسلامية بالحوار والانصاف ورفع الظلم عن المظلومين، وداعيا الى الاهتمام بقضية الأمة الكبرى: فلسطين والأقصى.

مقالات ذات صلة