العالم
القطاع يتحول لوصاية تدار من الخارج

خطة بلير لإدارة غزة.. وصاية دولية تشرعن الاحتلال وتغتال تقرير المصير

رياض. ب
  • 722
  • 0

بينما يواصل الاحتلال الصهيوني حرب الإبادة الشاملة على قطاع غزة، وتتصاعد أرقام الضحايا لتصل أكثر من 65 ألف شهيد و168 ألف جريح وآلاف المفقودين، تُدار خلف الكواليس معركة أخرى لا تقلّ أهمية: من سيحكم غزة بعد الحرب؟.

خطة تولي رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، توني بلير، إنشاء «السلطة الانتقالية الدولية لغزة” (GITA) لا تبدو مجردَ مقترحٍ لإعادة الإعمار، بل مشروعًا سياسيًا شاملًا يطرح وصاية دولية على القطاع تحت غطاء أممي وقانوني، وما تكشفه الوثائق وتحليل الهياكل والميزانيات المقترحة يثير أسئلةً جديةً حول النوايا والنتائج المحتملة.

دلالات سياسية خطيرة

الخطة بفكرتها وأصلها وتفاصيلها ليست مقترحاً مؤقتاً لإدارة أزمة إنسانية، بل محاولة لإعادة إنتاج نموذج وصاية تستبدل الإدارة الوطنية بالهيمنة الخارجية. إدارة الملفات من مكاتب خارج غزة، وتمثيل فلسطيني رمزي داخل مجلس يهيمن عليه غربيون ورجال أعمال، كل ذلك يعيد إنتاج منطقٍ يضع القرار السياسي والاقتصادي في يد الخارج ويشيطن قدرة الفلسطينيين على تقرير مصيرهم.

النصوص الواردة حول شرطة محلية منزوعة السلاح وقوة متعددة الجنسيات على الحدود تُفسّر عملياً كآلية لتحييد الشعب الفلسطيني ومقاومته، وفصل مكونات الشعب الفلسطيني وفصائله الوطنية بما في ذلك السلطة الفلسطينية نفسها عن مفاصل القرار، ومن ثم تأمين مسار مفتوح أمام مصالح الاحتلال الإسرائيلي الأمنية والاقتصادية، تحت شعار “الاستقرار”.

غموض في المحاكم والأطر القانونية

الخطة تجعل من التفويض الأممي واجهةً شرعية، غير أن الشرعية العملية مشكوك فيها. مجلس الأمن الذي من المفترض أن يمنح التفويض لم يتمكن حتى الآن من إصدار قرارات فعالة لوقف النار أو ضمان حماية المدنيين، فهل يستطيع أن يمنح تفويضاً لإدارة شعب بأكمله؟ ومن زاوية القانون الدولي، تبدو الخطة في تعارض مع مبادئ أساسية: غزة أرض محتلة، وقوة الاحتلال ــ تتحمل مسؤوليات مباشرة بموجب اتفاقية جنيف الرابعة لكل ما يتعلق بحماية السكان وإعادة إعمار ما دمّرته. فرض وصاية دولية بقرار فوقي يختزل مسؤوليات الاحتلال بل ويمنحه مناخاً سياسياً بعيداً عن المساءلة.

السيناريوهات المحتملة

إذا سارت الأمور وفق التصور الذي تقدمه الوثائق، فسيناريو واحد محتمل هو أن تتحول غزة فعلياً إلى وصاية تدار من الخارج، حيث تُنقل غالبية القرار الأمني والاقتصادي إلى هياكل دولية ورجال أعمال، فيما يُحوّل الجانب المحلي إلى إدارة خدماتية محدودة الصلاحيات.

وهذا السيناريو يعزز جزء مهم من رؤية المحتل في التحكم والسيطرة على الحدود والمساحات الاستراتيجية من دون تحمل مسؤوليات وتبعات الإبادة الجماعية التي ترتكبها قوات الاحتلال بشكل متواصل مند سنتين، وهو ما يريده جزء من النخب السياسية في الكيان المحتل.

والأخطر أن تتحوّل الوعود التمويلية إلى آليات ابتزاز سياسي، فلا يحصل أهالي غزة على إعادة إعمار حقيقية إلا مقابل تنازلات ديمغرافية وسياسية صعبة. وعليه كل السيناريوهات تشير إلى أن فرض “وصاية” من هذا النوع سيزيد أزمات القطاع بدل حلها، وسيعمّق الانقسام الفلسطيني ويطيل أمد المعاناة.

البديل الفلسطيني

المنطق السياسي والقانوني والأخلاقي يؤكد أن أي طريق نحو حل عادل ومستدام لا يمكن أن يمر عبر وصاية دولية تُفرض على غزة وتضعها تحت إدارة خارجية، بل عبر مسار واضح يبدأ بالالتزام الصارم بالقانون الدولي وبمبادئ حقوق الإنسان.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: من هو توني بلير حتى يُنصَّب حاكماً على غزة؟ ومن يملك أصلاً الشرعية التي تخوّله هذا الدور؟ وأين موقع الفلسطيني، صاحب الأرض والقضية، من هذه المعادلة برمّتها؟ أليس تغييب الشعب الفلسطيني عن تقرير مصيره امتداداً مباشراً للرؤية الصهيونية الدينية التي تنكر أصلاً وجود الفلسطينيين وتتعامل معهم كفراغ يمكن تجاوزه؟.

مقالات ذات صلة