الرأي

خطوات ممكنة للتحرر من التبعية

صالح عوض
  • 3354
  • 0

متى نستطيع الاستفادة من الثروة الحيوانية السودانية؟ ومتى نستفيد من التجارب الإيرانية في‮ ‬النووي؟ ومتى نستفيد من دروس الثورة والاستقلال والحرية والدبلوماسية الناجحة الجزائرية؟ ومتى نستفيد من نخيل العراق وإمكاناته وثقافته؟ ومتى نستفيد من صحرائنا وسهولنا وشعوبنا؟ ومتى نستفيد من تنوّع‮ ‬عطاءات بلداننا وشعوبنا وكفاءاتنا وقدراتنا؟ ماذا استفدنا من النيل والأمطار والبحار وكل ما عندنا وما حولنا؟ متى نستفيد من موقعنا الجيوسياسي‮ ‬الخطير والرائع؟ لماذا نبعثر طاقاتنا ونلجأ إلى أعدائنا في‮ ‬غذائنا وسلاحنا ومقتنياتنا؟ البديل عن الاستفادة هو فقط الذلّ‮ ‬على أبواب الأعداء‮.. ‬والبحث عما‮ ‬يفرقنا ويشتت شملنا‮. ‬

وهنا لابد من اعادة قراءة الجملة الاستعمارية من جديد‮ “‬التبعية،‮ ‬والتجزئة،‮ ‬والكيان الصهيوني‮” ‬هذه عناوين المشروع الاستعماري‮ ‬ضد بلداننا وأمتنا‮.. ‬معاملات ثلاث تكسر قدراتنا وتستبدّ‮ ‬بواقعنا وتمنعنا من التحرك نحو نهضتنا‮.. ‬ورغم كل محاولات طلائع الأمة للتخلص من اثارها،‮ ‬إلا أننا لم ننجز على جبهاتها الثلاث أي‮ ‬نقلة استراتيجية،‮ ‬بل على العكس تماما تغوّلت فينا التبعية الاقتصادية والثقافية والسياسية للدول الاستعمارية وأصبحنا أقل قدرة على الاستقلال في‮ ‬قرارنا السياسي‮ ‬تجاه قضايانا الخاصة وقضايا الإقليم والأمة،‮ ‬ولم‮ ‬يعد للدولة العربية قدرة أن تمد‮ ‬يدها لإغاثة الجار العربي‮ ‬لأن ذلك‮ ‬يصطدم مع سياسات المعلم‮ “‬x‮” ‬في‮ ‬منطقتنا بل أحيانا لا تجرؤ الدولة العربية أن تتخذ قرارا لصالح سيادة البلد وذلك للسبب السابق نفسه‮.. ‬

أما التبعية الاقتصادية فلقد تحوّلت اقتصاديات دولنا العربية إلى اقتصاد ريعي‮ ‬وأصبحنا كذلك الناطور الذي‮ ‬يجلس عند طرف بستانه كل‮ ‬يوم‮ ‬يبعد شيئا من إنتاجه وأرضه لمستهلكين،‮ ‬فإذا حان وقت الجد لن‮ ‬يجد ما‮ ‬يطعم أولاده فهرع للأجنبي‮ ‬الذي‮ ‬يتحكم بالقوت وبالقرار فتبدأ الاشتراطات‮: ‬نعطيكم مؤونتكم بأموالكم ولكن بشرط تعديل مواقفكم من كذا وكذا‮.. ‬وفي‮ ‬هذه العملية الكبيرة‮ ‬يفعل المستعمرون كل ما‮ ‬يستطيعون لتدمير البستان وحرقه لكي‮ ‬تصبح الفرصة الوحيدة لنا هي‮ ‬الارتماء على أعتابهم نستورد كل ما‮ ‬يقيم أصلابنا ويمكّننا من الحياة‮.. ‬وفي‮ ‬الثقافة الأمر نفسه استبدلنا مصطلحاتهم بمصطلحاتنا ومعاييرهم بمعاييرنا وأصبحنا ذيلا لهم نهتزّ‮ ‬يمينا ويسارا حسب‮ ‬غرائزهم‮..‬

‬هل من المنطقي‮ ‬أن نستقوي‮ ‬بجيوش الغربيين على بعضنا؟ أين الأمن القومي‮ ‬واشتراطاته؟ أين الاتفاقيات الموقعة بخصوص الدفاع العربي‮ ‬المشترك؟ كيف نترك بلداننا الواحد تلو الآخر‮ ‬يتساقط تحت معاول التهديم والقتل؟ والكلام هنا‮ ‬يخص الإعلاميين والسياسيين بشكل خاص كيف‮ ‬يسمح للمرجفين الذين‮ ‬يعيثون الفساد تفرقة في‮ ‬صف الأمة‮..‬

وتغوّلت فينا التجزئة؛ فبعد أن كنا نشكو من التجزئة الوطنية وتمزيق الأمة إلى أقاليم وأقطار ونشوء ثقافات إقليمية،‮ ‬إذا بنا اليوم داخل الأقطار نتعرّض لأبشع محاولة‮ ‬يمكن أن تعترضنا بتمزيق البلد الواحد إلى أقاليم جديدة والمجتمع الواحد إلى كيانات بشرية جديدة تحت عناوين عدّة قومية ومذهبية وجهوية وعشائرية‮.. ‬فأصبح العراق ثلاثة أقاليم والسودان اثنين مرشح للزيادة وأصبحت ليبيا أكثر من ثلاثة،‮ ‬وأما سوريا فهي‮ ‬برسم تقسيم واقعي‮ ‬إلى أكثر من أربعة،‮ ‬وفلسطين إلى أكثر من ثلاثة،‮ ‬وسوى ذلك من أقاليم العرب والمسلمين‮.. ‬ولم تكن القسمة والتجزئة هذه بناء على عملية سياسية،‮ ‬بل هي‮ ‬عملية دموية ضاعت فيها إمكاناتٌ‮ ‬وأهدرت طاقات وقُتل ملايين العرب والمسلمين فرسمت حدودها بالدم لكي‮ ‬يكون الدم هو سياج التفرقة والتجزئة‮.‬

أما الكيان الصهيوني،‮ ‬فلقد تغوّل فينا حتى بلغت الغطرسة فيه إلى درجة انتهاك مقدساتنا العليا والرمزية المتميزة وأصبح المسجد الأقصى‮ ‬يتعرّض كل‮ ‬يوم لاقتحامات وتجريف وتهويد شأنه شأن الأرض المباركة كلها‮.. ‬ولم تقف أذرع العدوان الصهيوني‮ ‬على شعب فلسطين،‮ ‬فهاهي‮ ‬تمتد لتقصف في‮ ‬سوريا والسودان ولبنان كما فعلت سابقا بالعراق وسواها‮.. ‬الكيان الصهيوني‮ ‬اليوم‮ ‬يتوغل ويتغول في‮ ‬علاقات متينة أمنية واقتصادية بكثير من دول الإقليم ويرتب اهتماماته الأساسية ويضمن استمرار صراعاتها الاقليمية‮.. ‬فيما الشعب الفلسطيني‮ ‬أصبح على الصعيد المعنوي‮ ‬والمادي‮ ‬في‮ ‬أشد ظروفه قسوة وكبّلت كثير من طاقاته وشتتت جهود طلائعه بسبب الحصارات المتنوعة عليه‮.‬

ولكن في‮ ‬خضم هذا الهجوم المركز والمتكاتف‮.. ‬أليس هناك إشعاع نور‮ ‬يمكن‭ ‬أن‮ ‬يجد من خلاله الرواد سبيلهم لانعتاق أوطانهم والخروج إلى سطح الأرض والتمتع بشروط الحياة الآدمية لعلنا في‮ ‬ذلك نقترب من نهضتنا الضرورية للبشرية والأكثر من ضرورية لمستقبلنا؟

قد‮ ‬يواجه البعض هذا الطرح بإلقاء الصعوبات أمامه والتذكير بقوة أمريكا وصواريخها التي‮ ‬تزوّد بها العدو الصهيوني،‮ ‬ويشير البعض إلى صعوبة توحيد أقطارنا بعد أن أصبح لكل منها جيش وأمن ومؤسسات قُطرية‮.. ‬لا بأس فلنؤجل الحديث قليلا عن مواجهة عسكرية عربية مع إسرائيل،‮ ‬وعن تكسير الحدود وثقافتها وإعلان الوحدة بين دول عربية‮.. ‬فلنؤجل هذا الحديث مع كل اهميته،‮ ‬ولكن دون أن نفقد الإحساس بأهميته‮..‬

ولكن‮: ‬هل نستطيع تأجيل الحديث عن‮ ‬غذائنا وقوت‮ ‬يومنا؟ ومباشرة نفتح ملف التعاون والتبادل والاستفادة من ثرواتنا‮.. ‬فهل‮ ‬يعقل أن‮ ‬يكون لدينا مستودع ثروة حيوانية وأراض زراعية ومياه وفيرة كما هو حاصل في‮ ‬السودان حيث تبلغ‮ ‬الثروة الحيوانية الدرجة الخامسة في‮ ‬العالم،‮ ‬فيما نذهب لاستيراد كثير من مشتقات الحليب من دول أجنبية أو نضطر إلى ضيق شديد في‮ ‬هذا الباب كما نحرم أنفسنا من الاستفادة من كل ما‮ ‬يلحق هذا من صناعة جلود واستيراد لحوم وتقوية القيمة الشرائية للمواطن؟ هل‮ ‬يمكن أن نترك هذا المخزون المهم الكامن في‮ ‬بلد عربي‮ ‬إسلامي‮ ‬بلا استفادة؟ وهنا تتجلى أهمية التعاون البيني‮ ‬لأنه محرّر من ارتهانات سياسية وثقافية للأجانب،‮ ‬والكلام نفسه نقوله عن بلداننا العربية والإسلامية جمعاء،‮ ‬فكل بلد لديه من المواد الخام والموارد ما قد لا تجد مثيلا له كثافة في‮ ‬أي‮ ‬بلد آخر‮.. ‬والذي‮ ‬يجري‮ ‬فيه الحديث عن الغذاء‮ ‬يسري‮ ‬على كل عناوين الحياة الأخرى‮.‬

‬إننا بلا شك نحتاج صحوة ضمير وهمة رجال أحرار‮ ‬يُسكتون المفرّقين والمثبطين ولا‮ ‬يسمحون لنعيق البوم أن‮ ‬يحل في‮ ‬ديار العرب والمسلمين‮.. ‬إن الأولوية الآن أن نردّ‮ ‬الهجمة متنوعة الأدوات لعلنا ننجو بأمتنا ورسالتنا من المكيدة التاريخية‮..‬

بإمكان الإعلاميين والمثقفين العرب وكذلك الساسة أن‮ ‬ينهضوا لإنقاذ أمتنا بالدعوة للتكامل بين اقطارنا لأن التجربة أثبتت لنا بما لا‮ ‬يسمح بالتردد أن نبشّر بمستقبل التعاون والتبادل والاستثمار البيني‮ ‬بين بلداننا العربية والإسلامية‮.. ‬فهل من المعقول أن نترك سلتنا الغذائية في‮ ‬السودان وخبراتنا العلمية في‮ ‬ماليزيا وإيران وأندونيسيا‮.. ‬ونتوجه إلى أبواب الاستعماريين نتسول منهم الغذاء والتكنولوجيا؟‮!‬

ثم هل من المنطقي‮ ‬أن نستقوي‮ ‬بجيوش الغربيين على بعضنا؟ أين الأمن القومي‮ ‬واشتراطاته؟ أين الاتفاقيات الموقعة بخصوص الدفاع العربي‮ ‬المشترك؟ كيف نترك بلداننا الواحد تلو الآخر‮ ‬يتساقط تحت معاول التهديم والقتل؟ والكلام هنا‮ ‬يخص الإعلاميين والسياسيين بشكل خاص،‮ ‬كيف‮ ‬يسمح للمرجفين الذين‮ ‬يعيثون الفساد تفرقة في‮ ‬صف الأمة‮.. ‬إننا بلا شك نحتاج صحوة ضمير وهمة رجال أحرار‮ ‬يُسكتون المفرّقين والمثبطين ولا‮ ‬يسمحون لنعيق البوم أن‮ ‬يحل في‮ ‬ديار العرب والمسلمين‮.. ‬إن الأولوية الآن أن نردّ‮ ‬الهجمة متنوعة الأدوات لعلنا ننجو بأمتنا ورسالتنا من المكيدة التاريخية‮.. ‬تولانا الله برحمته‮.‬

مقالات ذات صلة