خطورة مباحثات المصالحة الفلسطينية في الجزائر
لا يختلف فلسطينيان على احترام وتقدير الأخوَّة والمساندة الجزائرية للشعب الفلسطيني، التي جذّرت في قلب كل فلسطيني حبَّ الجزائر والعرفان الكبير لبلد الشهداء والحرية.
وبالتأكيد جاءت دعوة الجزائر، كدولة وازنة في الإقليم وذات مصداقية في المجتمع الدولي، للفرقاء الفلسطينيين استشعارا منها بالخطر المحدق بالقضية الفلسطينية، خاصة أنها الدولة التي احتضنت بشجاعة في نوفمبر 1988 إعلان الاستقلال والتحول الفلسطيني للبرنامج المرحلي، ونقل المعركة الفلسطينية للحلبة الدولية، بعد أن أخذت الجزائر بيد الشهيد ياسر عرفات لقاعة الأمم المتحدة حاملا معه غصن الزيتون والبندقية.
لولا معرفتي بالكرم وأنفة الدولة الجزائرية لنصحتُ ورثة الشهداء والثوار بالاقتداء بما فعله الخليفة عمر بن الخطاب مع الصحابة الستة عندما أغلق عليهم الدار حتى يتفقوا على خليفةٍ للمسلمين، وقلت للحكومة الجزائرية لا تسمحوا للوفود الفلسطينية بمغادرة مطار الرئيس الراحل هواري بومدين حتى انجاز المصالحة.
صحيحٌ أنه قد تكون هناك أسبابٌ أخرى، لكن ما سبق هو الأهم، ويعتبر الجزائريون الثورة الفلسطينية امتدادا لثورة الجزائر، والعبارة الراسخة “لن يكتمل استقلال الجزائر إلا باستقلال فلسطين”، والشواهد كثيرة أبرزها الموقف المبدئي من التطبيع والذي يعبر عن الحكمة الإستراتيجية، والسيادة الكاملة للدولة الجزائرية.
ما سبق وأكثر جعل من الدعوة الجزائرية لاحتضان محاولة جديدة لإنهاء الانقسام وتوفير حاضنة عربية تحمي التفاهمات المنتظرة، تعيد الأمل لقلوب الفلسطينيين والعرب لإنهاء هذا الفصل البائس من تاريخ النضال الفلسطيني نحو الحرية والاستقلال.
وبالنظر للجهود المصرية والعربية، يدرك الجميع أن العقبة أمام المصالحة الفلسطينية كانت فلسطينية بالأساس، فلو توفرت الإرادة الوطنية لأنجِزت المصالحة في أي مكان، لمجابهة التحديات الإسرائيلية الخطيرة الهادفة إلى شطب القضية الفلسطينية وتصفيتها بالاستيطان والحصار وإنكار الحقوق.
لكن الخطير أن يفقد الفرقاء الخجل والمنطق والمصلحة الوطنية بإفشال الجهود الجزائرية مما سيؤدي إلى عدة انتكاسات لا نتمناها ونحذّر منها:
أولا: أن ملف المصالحة سينتقل من غرفة الإنعاش إلى المقبرة ويتحقق حلم شارون بالانفصال التام.
ثانيا: ستشعر الدولة الجزائرية بالغضب، خاصة أنها ستكون في كل تفاصيل المباحثات والنقاشات مما سيولّد برودا جزائريا وخيبة أمل على الأقل، وبمرور الوقت سنخسر دولة شقيقة وصادقة داعمة للقضية الفلسطينية.
ثالثا: سيشعر الشعبُ الجزائري المُحبّ بالخذلان الشديد، وربما تنقلب مشاعر الحب الجياشة إلى عتب ولوم سيؤدي بمرور الوقت أو عبر “تدخلات ماكرة” إلى تحميل المسؤولية في تراجع القضية الفلسطينية للفلسطينيين، وتبرز من جديد مقولة طالما كررها البعض “لن نكون ملكيين أكثر من الملك”.
كفلسطيني يدرك درجة حب ووفاء الشعب الجزائري لفلسطين، أضع يدي على قلبي خوفا من فشل جديد في ضيافة بلد محب وكريم، الأمر الذي يدفعني أن أقول لأهلي في الجزائر شعبا ودولة.
أولا: إذا نجحت المصالحة في ضيافتكم، حينها المتصالحون منا ونحن منهم وعفا الله عما سبق، لكن لو حدث العكس فنحن كشعب منهم براء، ولا يمتلك أي طرف منهم الشرعية بعد 16 عاما من السطو على الحق الانتخابي.
ثانيا: فشل المصالحة – لا سمح الله- هو قرارٌ حزبي منفصل عن الإرادة الشعبية التي تريد إنهاء الانقسام واستكمال المسيرة الفلسطينية نحو تقرير المصير والانعتاق من الاحتلال.
ثالثا: إذا أصرَّ المجتمعون على الانقسام، لا تأخذوا شعبنا بجريرة هؤلاء لأنَّ كل فلسطيني يدرك أن استمرار الانقسام مصلحة إسرائيلية، واللبيب بالإشارة يفهم.
رابعا: لولا معرفتي بالكرم وأنفة الدولة الجزائرية لنصحتُ ورثة الشهداء والثوار بالاقتداء بما فعله الخليفة عمر بن الخطاب مع الصحابة الستة عندما أغلق عليهم الدار حتى يتفقوا على خليفةٍ للمسلمين، وقلت للحكومة الجزائرية لا تسمحوا للوفود الفلسطينية بمغادرة مطار الرئيس الراحل هواري بومدين حتى انجاز المصالحة.