الرأي

خلف‮ ‬المرايا‮..!!‬

مروان ناصح
  • 2346
  • 1

في الثمانينيات الأولى، أوردت في مقال كتبته لإحدى الصحف حكاية شاعر من عصر الانحدار العربي يدعى أبا الحسين الجزار، ولقبه يدل على مهنته التي هجرها ركضاً وراء مدح أولي الأمر في عصره، ثم عاد إليها خائباً مبرراً هذه العودة بقوله:

 

‭”‬كيف‮ ‬لا‮ ‬أشكر‮ ‬الجزارة‮ ‬ما‮ ‬عِشْـ‮     ‬تُ‮ ‬حـيـاتـي‮ ‬وأهـجـر‮ ‬الآدابــــــــا؟‮    

  ‬وبها‮ ‬صارت‮ ‬الكلاب‮ ‬ترجِّيـــــــــ‮     ‬ني‮ ‬وبالشعر‮ ‬كنت‮ ‬أرجو‮ ‬الكلابا‮!!”   ‬‭ ‬

 

وفوجئت‮ ‬بالمسؤول‮ ‬عن‮ ‬تلك‮ ‬الصحيفة‮ ‬يسألني‮ ‬باتهام‮: ‬‭”‬من‮ ‬تقصد‮ ‬بهؤلاء‮ ‬الكلاب؟؟‮” ‬ثم‮ ‬يعيد‮ ‬إليَّ‮ ‬المقال‮ ‬قائلاً‮: ‬‭”‬اعفني‮ ‬من‮ ‬وجع‮ ‬الرأس‮..!!”‬

كان الناس في تلك الأيام – وما زالوا – يحبون “شخصنة” أيّ نقد أو سخرية في الصحافة أو الأعمال الدرامية، وحصرها في شخص معين من المتنفذين الممقوتين، أو المشهورين بالفساد، وكانت هذه “الشخصنة” سلاحاً بأيدي الناس للانتقام من كل هؤلاء المتسلطين، كما هي فزاعةً عند موظفي‮ ‬الرقابة،‮ ‬تدفع‮ ‬بهم‮ ‬إلى‮ ‬التشدد‮ ‬في‮ ‬الحكم‮ ‬على‮ ‬الأعمال‮ ‬التي‮ ‬تعرض‮ ‬عليهم‮ ‬إلى‮ ‬درجة‮ ‬الرفض‮ ‬المطلق‮ ‬أحياناً،‮ ‬استجابةً‮ ‬للمثل‮ ‬الشعبي‮ ‬الشهير‮: “‬لا‮ ‬تنم‮ ‬بين‮ ‬القبور‮.. ‬ولا‮ ‬ترَ‮ ‬منامات‮ ‬مرعبة‮”!! ‬

ولقد سجل مسلسل “مرايا” الشهير للفنان الكبير ياسر العظمة رقماً قياسياً في وقوعه ضحية لنزعة “الشخصنة” هذه، ولا عجب فهو الأكثر إصغاءً لنبض الشعب، وأشواقه الأصيلة، والأكثر خبرة بالدعاوى الجوفاء، والآمال الكاذبة، والفاسدين والمتسلطين، والمفارقات السوداء التي تغص‮ ‬بها‮ ‬حياة‮ ‬الناس،‮ ‬وهو‮ ‬يجسد‮ ‬ذلك‮ ‬من‮ ‬خلال‮ ‬كل‮ ‬ما‮ ‬يراه‮ ‬ويقرؤه‮ ‬ويسمعه‮ ‬في‮ ‬زمن‮ ‬مهترئ‮..!!‬

وقد أخبرني فناننا الكبير صاحب “مرايا” بأن سلسلة مواجهاته مع “الشخصنة” بدأت منذ الطبعة الأولى – كما يقول إخوتنا الجزائريون – في العام 1981، حيث عرض لوحة ساخرة عن “زعيم” لعصابة لصوص، يستأثر بسرقاتهم، ولا يعطيهم منها سوى الفتات.. فيسخطون عليه لذلك، ويقررون الالتحاق بعصابة أخرى يقودها زعيم “مستجد” ولكنه يجمعهم ويعرض عليهم جرّته الزجاجية الشفافة التي قاربت على الامتلاء بالليرات الذهبية، ويوجه إليهم سؤالاً بعيد الإيحاء: والآن.. هل سيفكر أحدكم بالخروج على “زعامتي” بعدما أطلعتكم على “واقع” جرتي، ليخدم “زعيماَ” آخر ما‮ ‬تزال‮ ‬جرته‮ ‬فارغة‮!! ‬أين‮ ‬عقولكم؟‮!!‬

ويدهشني‮ ‬الفنان‮ ‬الكبير‮ ‬ياسر‮ ‬العظمة‮ ‬عندما‮ ‬يؤكد‮ ‬أن‮ ‬الوزير‮ ‬الأول‮ ‬‭-‬‮ ‬يومها‮ ‬‭-‬‮ ‬اتصل‮ ‬به‮ ‬هاتفياً،‮ ‬بعد‮ ‬مشاهدته‮ ‬تلك‮ ‬اللوحة،‮ ‬وسأله‮ ‬غاضباً‮:‬

‭- ‬من‮ ‬تقصد‮ ‬بزعيم‮ ‬العصابة‮ ‬هذا؟‮!! ‬وكيف‮ ‬تتجرأ‮ ‬على‮ ‬مثل‮ ‬هذه‮ ‬التمثيلية‮ “‬المؤذية‮”..‬؟‮!‬

وأنه‮ ‬أجابه‮ ‬بكل‮ ‬هدوء‮:‬

‭- ‬لكم‮ ‬أن‮ ‬تسألوا‮ ‬السيد‮ ‬وزير‮ ‬الإعلام،‮ ‬حسب‮ ‬الاختصاص‮.. ‬فهو‮ ‬من‮ ‬يشرف‮ ‬على‮ ‬جهاز‮ ‬التلفزيون‮ ‬الذي‮ ‬عرض‮ ‬ما‮ ‬رأيتموه‮ ‬يا‮ ‬سيدي‮..!!‬

ويتذكر فناننا الكبير عدداً من المواقف العدائية، والاحتجاجات “المشخصنة” ومنها ما كان يتداول همساً في أوساط الطبقة الحاكمة، على أنه من الأسرار “المحظورة”..!! ولكن هيهات أن يستعصي سرّ على الانفضاح، كما أكد لنا شاعرنا الجاهلي الكبير زهير بن أبي سلمى، حين قال:

‭”‬ومهما‮ ‬تكن‮ ‬عند‮ ‬امرئ‮ ‬من‮ ‬خليقة‮ – ‬وإن‮ ‬خالها‮ ‬تخفى‮ ‬على‮ ‬الناس‮ – ‬تُعلمِ‮!!”‬

ومما يرويه الفنان الكبير ياسر العظمة من تلك الأسرار “المفضوحة” أن الرئيس الراحل حافظ الأسد “قرَّع” وزير إعلامه بشدة، حين اكتشف أن الفنان “العظمة” هاجر بمراياه إلى الأردن لأن التلفزيون السوري رفض إنتاجها في العام 1986..! وأن الرئيس نفسه ردّ على القيادات العليا في الحزب والدولة حين احتجت عنده على “جرأة” مرايا “وخطورتها” على الشعب والبلد بقوله: للفنان أن ينتقد.. ثم استشهد بالمثل الشعبي الساخر المعروف ضاحكاً: (من كانت في “ثيابه” منكم مسلة.. فستنخزه!!) وكان بذلك ينطلق من نزعة “الشخصنة” إياها.. مع فارق أنه لا يريد التنكيل بأحد الطرفين: الناقد والمنقود لأسباب يصعب التكهن بها..!!                                                ويقطع الفنان الكبير ياسر العظمة الطريق على من يحاول أن يوظف هذا الموقف من رئيس الجمهورية كدليل على خدمة “مراياه” لمآرب “الدولة” بقوله:

‭- ‬للدولة‮ ‬أن‮ ‬توظف‮ ‬ما‮ ‬تشاء‮ ‬كما‮ ‬تشاء‮.. ‬وللفن‮ ‬أن‮ ‬يواصل‮ ‬رسالته،‮ ‬والتصاقه‮ ‬بهموم‮ ‬الناس،‮ ‬كما‮ ‬يشاء‮ ‬أيضاً‮.. ‬دون‮ ‬أن‮ ‬نخضعه‮ ‬لنظرية‮ “‬المؤامرة‮”.. ‬و‮”‬التواطؤ‮” ‬مع‮ ‬الأنظمة‮.. ‬كما‮ ‬اعتدنا‮ ‬نحن‮ ‬العرب‮..!!   ‬

وتشاء المصادفة أن أكون شاهداً على عملية “شخصنة” فظيعة لمرايا العام 1998، حيث وصل بعض المراقبين إلى تأكيد ملامسة اللوحات – بسخريتها المُرة – الباب العالي نفسه..!! وانتهى قرارهم إلى رفض معظم الحلقات شكلاً ومضموناَ..!! ووجدت نفسي في موضع الحَكَمِ من هذه القضية،‮ ‬فكتبت‮ ‬مطالعة‮ ‬ما‮ ‬يزال‮ ‬يحتفظ‮ ‬فناننا‮ ‬الكبير‮ ‬ياسر‮ ‬العظمة‮ ‬بصورة‮ ‬عنها‮ ‬في‮ ‬أرشيفه،‮ ‬وهذا‮ ‬موضع‮ ‬اعتزاز‮ ‬لشخصي‮ ‬المتواضع،‮ ‬وقد‮ ‬بدأت‮ ‬تلك‮ ‬المطالعة‮ ‬بهذه‮ ‬الكلمات‮:‬

‭- ‬لقد‮ ‬آن‮ ‬لرياح‮ ‬التغيير‮ ‬التي‮ ‬هبت‮ ‬على‮ ‬العالم‮ ‬أن‮ ‬تصل‮ ‬إلى‮ ‬بلدنا‮.. ‬لنعرف‮ ‬كيف‮ ‬نواجه‮ ‬الحقيقة‮. ‬

وإذا كان الفنان الكبير ياسر العظمة قد عدّ مطالعتي تلك دليلاً على الجرأة غير المتوقعة من “موظف”.. فإني لا أحسبها شيئاً يُعتد به، بالقياس إلى جرأة أحد الشعراء الشعبيين – في تلك الأيام نفسها – إذ أرسل قصيدة ناقدة ساخرة، إلى رئيس عربي رآه متلبساً بارتكاب مفارقة‮ ‬فاقعة‮: ‬لقد‮ ‬كان‮ ‬يضع‮ ‬الزهور‮ ‬على‮ ‬قبر‮ “‬لينين‮” ‬مؤسس‮ ‬الحكم‮ ‬الشيوعي‮ ‬في‮ ‬الاتحاد‮ ‬السوفيتي‮ ‬السابق‮:‬

بالأمس‮ ‬كـنـت‮ ‬ببيت‮ ‬الله‮ ‬معتمــراً‮      ‬ترمي‮ ‬الحجارَ‮ ‬على‮ ‬مأوى‮ ‬الشياطين‮

‬واليوم‮ ‬تلقي‮ ‬أكاليل‮ ‬الزهور‮ ‬على‮    ‬ضريح‮ ‬كفرٍ‮ ‬بنوه‮ ‬فوق “لينين”‬

 

مقالات ذات صلة