خلية” فرانس أفريك” ونهاية نصف قرن من فضائح الإليزي في إفريقيا
في سجلّ آخر من سجلّات فضائح الإليزي في القارة المستباحة، هناك قضية أخرى أسالت الكثير من الحبر، والأمر يتعلق هنا بملف غادولي – Gadoullet الذي كشف في جوان 2015م الكثير من الأسرار أمام الإعلام المتعلقة منها بمسألة الرهائن في منطقة الساحل. هذا إلى جانب الضجة التي أحدثتها قضية PAL (بيير أنطوان لورينزي) التي رفع فيها الستار عن الكثير من الأسرار المتعلقة بالمفاوضين في المنطقة ذاتها.. وهي كلها ملفات صنعت مفارقات متناقضة هندس لها بتاريخ 27 سبتمبر 2007م الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، وذلك بمناسبة تكريمه لروبرت بورغي وبقية رجال فوكار في صالونات الإليزي ملتمسا منهم: «البقاء في الظل حتى لا تحرقهم الشمس» أي حتى لا تنكشف تحركاتهم ونشاطاتهم السرية.
في الحقيقة، لا يمكن اعتبار احتفالات سنة 2010م مجرد ذكرى مخلدة لأحد أهم محطات التاريخ الفرنسي فقط. بل أتت كنتيجة وأحد إفرازات القيود الدبلوماسية المتبادلة بين الطرف الفرنسي والإفريقي، التي دفع بها منطق السياسة الداخلية التي فرضت هي الأخرى بعض الخطابات الظرفية التي يلقيها رؤساء الدول الإفريقية المنددين بخلية «فرنس أفريك»، في حين يمثلون بالنسبة لشعوبهم الوجه الإفريقي لتلك الخلية نفسها. وكما هو الحال بالنسبة لإستراتيجية الفهد الإفريقي: «يجب أن يتغير كل شيء حتى لا يتغير شيء».
غير أن هذا الأفق الرمزي الذي حملته تلك الذكرى جعل مسألة التشكيك في الكثير من العناصر كانت تعتبر إلى ذلك الحين غامضة أو سرية أمرا ممكنا، فبعد نهاية مرحلة المحاكمات الكبرى: انطلاقا من قضيَّة بوب دينار، مرورا بمسألة شركة إلف، وصولا إلى ما يُعرف بقضية «أنغولا غيت» وكلها قضايا أثيرت في الفترة الممتدة بين سنتي 1993م
و2011م، إذ كانت بمثابة محاكمات قضائية لإنهاء صفقات تجارية تورطت فيها خلية «فرنس أفريك» من جهة، ولتغيير الوضع، من جهة أخرى، حتى يتسنى لفرنسا أن تفتح تاريخا سياسيا جديدا خاليا من الذكريات المنحرفة.
إن مهمة ضبط قائمة اسمية، رسمية كانت أو غير رسمية لـ«السادة الأفارقة» في الإليزي لم يكن بالأمر الكافي حتى يتسنى لنا إعطاء معنى لخمسين عاما من تاريخ التغوّل الفرنسي على دول القارة. علما أن المسرع الذي يتحكم في الرئاسات الفرنسية، هو المرجع الإعلامي الذي لا يكاد يذكر والذي كان ولا يزال يفترض المبادرة والتفوق الفرنسي على شركائه الأفارقة، وهو أمر يستحق أن يطرح بخصوصه أكثر من سؤال، لأنه لا شيء أكثر زيفا من اختزال ذلك التاريخ في المنظور الآتي: من خلال إخضاع تاريخ «فرانس أفريك» للإليزي، جرى في الحقيقة تجاهل الواقع الإفريقي، مع المبالغة في تقدير وجهة النظر الفرنسية.
في المقابل، وهو أمر لا يمكن إنكاره، قامت العديد من الدول الإفريقية (الناطقة منها باللغة الفرنسية) بدمج واقعها السياسي مع فرنسا، أكثر بكثير مما فعلته السياسة الفرنسية ما بعد الاستعمارية، معتبرين سياساتهم جزءا مهما من التراث السياسي الفرنسي في القارة. وهو ما بات واضحا على جميع مستويات المجتمع الإفريقي: من عمر بونغو الذي شرح للقيادة الفرنسية -في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين- تاريخ الحزب الديغولي (الاتحاد من أجل الجمهورية، التجمع من أجل الجمهورية، ثم الاتحاد من أجل حركة شعبية) في الدوائر الانتخابية الإقليمية الفرنسية، وبين الطبقات العاملة في عواصم خليج غينيا، التي كانت في الكثير من الأحيان أفضل اطّلاعا على آليات العمل السياسي في فرنسا من الفرنسيين أنفسهم.
-
تبقى الحقيقة التي من الصعب إزاحتها أن الجيش الفرنسي لا يزال منتشرا في القارة السمراء، أكثر من أي وقت مضى، وذلك انطلاقاً من قواعده السرية المتمركزة بشكل مسبق في القارة. في وقت أصبحت فيه النخب الإفريقية – التي وصلت منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلى السلطة (السياسية أو الاقتصادية)- أكثر وعيا بأنماط الحكم الدولي الجديدة.
إن مسارات التاريخ المترابط والأحداث الدقيقة التي جرت على أرض الواقع تدعونا إلى عقد مقارنة بين تلك المقاييس المختلفة، ومن ثمّ، الكشف عن بعض شؤون «فرانس أفريك» في أسمى تعقيداتها التاريخية. خاصة وأن قضايا جديدة ساهمت وبشكل خطير منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين في إعادة إحياء وتنظيم هذه الخلية، وذلك على غرار: استعمال السلاح الاقتصادي من خلال إدارة الديون والتحرير المتسارع لإفريقيا من خطط التكيّف الهيكلي إلى ما يسمى عادة: «إفريقيا الصينية»، قضية الأمن التي أصبحت أولوية خاصة
مع ظهور سياسات مكافحة الإرهاب في الشريط الصحراوي الساحلي (تشكّل عمليتا سيرفال وبرخان أحد أهم الإسقاطات العسكرية الفرنسية في المنطقة منذ الثورة التحريرية الجزائرية)، قضية الهجرة وتأثيرها على الهوية وإعادة إيقاظ الصدمات الاستعمارية وما بعد الاستعمارية في مجتمعات القارتين.
لقد وقع على عاتق الجيل الفرنسي الجديد -كأول جيل لم يشهد مرحلة إنهاء الاستعمار وحروبه- من خلال رئاسيات ساركوزي وهولاند، مسؤولية تنظيم هذا التغيير. وبعيدا عن المفاهيم السياسية البحتة، فإن هاتين الرئاسيتين تشتركان في نقاط مهمة أكثر من تلك التي كانت عليهما عهدتا كل من ميتران وشيراك. من بينها الشروع في العمليات العسكرية ما وراء البحار بعد موافقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عليها. بالإضافة إلى إمكانية دمج – بناء على «مبدأ أوباما»- أبعاد معينة من الأمن العالمي لنهجها وعملها العسكري ضمن حلف شمال الأطلسي (الذي انضمّت إلى قيادته العسكرية سنة 2009م).
تبقى الحقيقة التي من الصعب إزاحتها أن الجيش الفرنسي لا يزال منتشرا في القارة السمراء، أكثر من أي وقت مضى، وذلك انطلاقا من قواعده السرية المتمركزة بشكل مسبق في القارة. في وقت أصبحت فيه النخب الإفريقية – التي وصلت منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلى السلطة (السياسية أو الاقتصادية)- أكثر وعيا بأنماط الحكم الدولي الجديدة، وذلك على غرار: مسألة القفل الدستوري بعد الولاية الثانية، بناء الكيانات الإقليمية، ظهور مسألة العدالة الدولية ونهاية الولايات المتحدة الأمريكية.
إن العالم الذي يراه الإليزي من خلال إفريقيا لا علاقة له بالعالم الذي يراه من ضفاف نهر السين. وهو الأمر الذي أعلنته في 26 جويلية 2007م قاعة المحاضرات بجامعة الشيخ أنتا ديوب في داكار كبداية للطلاق الفرنسي الإفريقي.
على الرغم من ذلك، فإن واقع الجغرافيا السياسية في منطقة الساحل، فضلا عن النقاش الدائر حول نهاية «رؤساء مدى الحياة»، أعادا طرح السياسة الفرنسية في إفريقيا من جديد في أروقة الإليزي، إذ لاحظ فرانسوا هولاند أن القارة في ظل حربين فرنسيتين رسميتين (وعدد قليل من العمليات الأخرى) تفرض نفسها على أجندته السياسية، لضمان استمرارية تلك العلاقة في الإليزي بأشكال جديدة من خلال الاحتفاظ بالجنرال «بينوا بوغا» ذي النفوذ الكبير في منصب رئيس الأركان، وقد أُطلق على هذا الأخير لقب «الإفريقي» بمناسبة إطلاقه في مالي لدبابة سيرفال، مردّدا ما يلي: «لقد عشت للتو، على الأرجح اليوم الأكثر أهمية في حياتي السياسية»، هكذا قالها وبحماس بتمبكتو في فيفري 2013م.
في ظلال السلطة وخلف الخطابات الرسمية يجري إعادة تشكيل الصداقات والتحالفات والشبكات، لتظل أولى تلك الدوائر، والأمر يتعلق هنا بدائرة «رؤساء الدول أصدقاء فرنسا»، أو ما يعرف – من باب السخرية- بصوت الشعوب الإفريقية الناطقة بالفرنسية، في طريقها إلى الانحسار.