-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

خياران والتغيير حتمي

صالح عوض
  • 5698
  • 0
خياران والتغيير حتمي

أصبحنا على يقين أن كل دوافع التحرك نحو التغيير متوفرة في الوعي الشعبي والضمير الجمعي، وأنه رغم خطورة ما قد تدفع إليه الأحداث إلا أنه لامناص من التغيير وأن كل محاولة للتغطية على جمره ليست إلا من باب تعميق الاحتقان وتوفير شروط إضافية لانفجارات ستلحق خسارات كنا في غنى عنها.

  • لقد أصبح تغيير الأوضاع الاجتماعية والسياسية حتميا ولم تعد دولة الاستقلال الوطني في البلاد العربية قادرة على مواكبة التطورات الحاصلة في المجتمعات العربية على أكثر من صعيد.. وهنا لا نريد توجيه أصبع الاتهام بمقدار ما نريد إن نوصف ما عليه الوضع في بلداننا العربية.. فلقد تخلفت الدولة العربية تخلفا ذريعا في مجالات عديدة على صعيد حقوق الإنسان والطب والعلوم جملة، وبالقياس فإن الدولة العربية تتحرك بآليات قديمة وبمناهج تخلى عنها العلم ولم تأخذ بعين الاهتمام ما يحصل في المجتمعات العربية الشابة من ازدياد عدد السكان وتنامي حاجياتهم والتدخلات الأجنبية المتصاعدة وبطرق متعددة في أمن المنطقة واستقرار دولها.
  • لقد انطلقت مسيرة التغيير الحتمي في بلاد العرب وهي تلقي بثقل مطالبها في الشارع، وقد أخرجت الملايين الذين وجدوا فيها مطالبة بمصالحهم المغتصبة وحقوقهم المسلوبة.. وكان ضروريا أن تجتمع لحركة الشارع العربي القدرة على تجاوز الخطابات الوسطية والتلفيقية وأن تواصل تدفقها نحو الهدف الأساسي وهو التغيير الشامل في كل المجالات.. وهذا ما وفرته حركة الشارع الواعية، لأنها أدركت أن الموت يكمن في الركون إلى الخطاب الوسطي الذي تبنته معظم الأحزاب التي تبحث عن مصالحها ومحاصصاتها أكثر من دفاعها عن مبادئها المعلنة.. ولم يكن ذلك ممكنا لولا دعم الشعب لطلائعه المستنيرة من شباب وكوادر وقيادات اجتماعية وفكرية معتبرة، الأمر الذي وضع الأحزاب في بعض الأوقات في صف النظام أو في تقاطع معه في حين ظل تدفق الجماهير من هضبة الى هضبة محققة إنجازات لم يكن الخيال يحيط بها إلى درجة أن تأخذ رئيسا مثل حسني مبارك بجريرة أفعاله إلى المحكمة أمام قضاء عادل يعطي البلد كلها مهابة واحتراما بين الأمم والشعوب الأخرى.. ويمكن تسجيل هذه الخطوة كإشارة كبيرة فارقة لانطلاق مرحلة مختلفة تمام الاختلاف تؤسس لقيام دولة المؤسسات والقانون والعدالة.
  • إن التغيير حتمي ولا يوجد لدى اي نظام حكم إمكانية إلغائه أو الالتفاف عليه.. وينبغي التعامل مع الموضوع بجدية فكرية وعملية، والمسألة ليست صناعة أجنبية ولا دخل للإدارات الغربية فيها ولا لأجهزة المخابرات الأجنبية.. إننا إزاء تفاعل احتقانات متراكمة تجد متنفسها الآن في هذه الطريقة التي دشنتها الثورة التونسية فوجدت فيها الشعوب العربية قدوتها.. فجاءت ثورة مصر العظيمة لتعطي الاحتقانات العربية روحا قوة للدفع بها نحو الانفجار.. ويبلغ الأمر منتهاه في تجلي الثورات العربية في انفجارها الأخير في سوريا وما يعني ذلك من كسر حاجز الخوف والانطلاق في الشارع للمناداة بإصلاحات عميقة سياسية واجتماعية.. وهكذا نرى أن كل الشعارات التي يمكن أن تثار أمام فوهات البركان لا تجدي نفعا وهي من باب التهويش الضعيف، فلا التهم حول الموجهين الأجانب ولا الحديث عن قوى أجنبية ولا مؤامرات استعمارية كل ذلك لا يفيد.
  • إذن يجب أن ننتهي من تقييم قوة التغيير التي تأخذ شكلا وأسلوبا جذريا وأن نؤمن أن هذا هو نتاج طبيعي للاحتقانات في الشعوب العربية، وأن هذه الاحتقانات عرفت كيف تخرج من الحصار ورأت في الثورة الشعبية سبيلها واستطاعت أن تكسر حواجز الخوف، لذلك من باب الإنصاف واحترام العقل أن نبتعد عن حديث التشكيك في بواعث هذه الثورات.. هنا لا نقصد أن الغربيين يقفون على الحياد لأنهم أغبياء إن وقفوا على الحياد وهم عودونا أن يحاولوا الدخول من كل فرجة يتحسسونها.. ثم هل هم كانوا بعيدين عن الاستفادة من الأوضاع القائمة.. إنهم موجودون من خلال مشاريعهم السياسية والعسكرية والأمنية في بلداننا ونهبهم لثرواتنا والضغوط السياسية على دولنا.. إنهم لم يبتعدوا لكي يأتوا.. إنهم موجودون بكلكلهم ولا يتحدث أحد عن أثرهم الفاسد في حياتنا.. ومن المضحك أن أحد الحكام العرب اتهم ثورة شعبه بأنها مدارة من تل أبيب بإشراف أمريكي، ولسوء حظه أن الجميع يعرف انه هو من يستدعي طيران أمريكا العسكري لقصف السكان الآمنين في بلده.. وهكذا لم يعد لادعاءات النظام العربي عن دور قوى أجنبية في الأحداث وجاهة ولا قيمة ولم تعد تنطلي هذه الادعاءات على أحد.
  • إن التغيير في وطننا العربي حتمي وسريع ولن يتأخر حتى يشمل كل البلاد العربية.. ولكن للأسف لم تتعدد الخيارات في التعامل معه.. فلحد الآن كل ما هو قائم في الوطن العربي يأتي من باب الإمعان في وضع الرأس في الرمال ومواجهة الأحداث باستهتار، ويبدو أن الزبانية حول الحاكم تزين له سوء فعله ليأمر بإطلاق النار على المدنيين والزج بعشرات آلاف المواطنين في السجون ويواصل حجب الحريات عن الناس ويواصل حرمانهم من حقوقهم الأساسية.
  • إن هناك خيارا آخرَ أمام الحاكم العربي يمكن له أن ينهجه في مواجهة تيار التغيير الجارف، إنه باختصار التسابق معه نحو التغييرات المطلوبة فينبغي أن يجري الحاكم العربي من خلال دراسة علمية جادة أولويات التغيير ويتجه نحوها بسرعة قبل أن يدلي الشعب ببيانه أي قبل أن ينطق الشعب بجملة “الشعب يريد إسقاط النظام” ..”إن هذه الجملة إذا ما عمّدها الدم ستتحول الى قوة أسطورية لقلب الطاولة على الجميع ولن يعود قول الحاكم “فهمتكم فهمتكم” ذات قيمة.
  • على النظام العربي أن يختار بين المواجهة العنيفة لإرادة التغيير في المجتمعات.. وبين التحرك السريع والجاد نحو استيعاب المطالب الشعبية العميقة وإحداث تغييرات مطلوبة من التصدي للفاسدين وإهدار المال العام واستيعاب الاحتقانات الشعبية بما يتناسب مع مطالب الناس وتكييف الأوضاع الدستورية والاقتصادية والسياسية مع ذلك.
  • إننا لا نرى أن هناك خيارا واحدا فقط في مواجهة إرادة التغيير.. بل هناك خيار أدعى للسلامة يوفر على المجتمعات دماء أبنائها وخسارات كبيرة إنه خيار الحل الأسبق من الاحتجاجات، ولكننا نؤكد أن من لا يستوعب الدرس ومن لم يحسن الاستماع لنبض الشعب سيجد نفسه في لحظة حرجة اللهُ وحده يعلم كيف يكون مآلها.
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!