خير الدين.. طالب السوربون والموسيقى الذي كان في المكان الخطإ
كشف شقيق الشاب خير الدين صاحبي، الذي كان أحد ضحايا اعتداءات باريس، أن شقيقه (29 سنة) كان مارا بالصدفة بموقع أحد الاعتداءات في الدائرة الباريسية العاشرة. وروى لـ “الشروق” بعضا مما وصل العائلة، من معلومات عن اللحظات الأخيرة لشقيقه. وقال رفيق صاحبي إنه علم من أصدقاء للفقيد أن هذا الأخير كان متوجها إلى مسكنه رفقة صديق له، عائدا من “بروفة موسيقية”، باعتباره فنانا ودارسا للموسيقى، حين قادته الصدفة إلى موقع إحدى الاعتداءات الإرهابية التي ضربت باريس مساء الجمعة.
تنقلت “الشروق” إلى منزل عائلة صاحبي في حي رابح العيساوي بالرويبة شرق العاصمة، أين استقبلنا رفيق، شقيق الضحية خير الدين، في حين اعتذر والده عن لقائنا. رفيق أستاذ الرياضيات، كان ينخرط من حين إلى آخر في نوبات من البكاء، وهو يروي لنا كيف تلقى نبأ الفاجعة. وقال إنه بادر إلى الاتصال بشقيقه خير الدين، بعدما بلغته أنباء الهجومات الإرهابية، “لكنه لم يكن يرد رغم إلحاحي وهذا خلافا لعادته.. وكنت في غاية القلق عليه كونه مقيما في الدائرة العاشرة التي كانت مسرحا للاعتداءات“. ويضيف رفيق أنه اتصل بصديق مقرب من الضحية، حيث أعلمه هذا الأخير، أنهما كانا عائدين من “بروفة موسيقية” سيرا على الأقدام، وأصر خير الدين على إيصال صديقه إلى البيت. ولدى عودته “حدث ما حدث“، حيث وجد خير الدين نفسه وسط نيران كثيفة وعشوائية للإرهابيين.
وازداد القلق على مصير خير الدين بعد أن أكد صديق ثان يقاسمه السكن، أنه لم يعد إلى البيت وتكثفت الاتصالات والتنقلات بحثا عنه من طرف شقيقه الأكبر المقيم هو الآخر بباريس، وأصدقائه. وأوضح رفيق صاحبي أنه توصل في حدود الساعة 11 من صباح السبت، بنبإ مقتل خير الدين، من طرف صديقة مشتركة مقيمة بباريس، بعد أن اطلعت على اسمه ضمن لائحة الضحايا. كما اتصلت المصالح القنصلية الجزائرية بشقيقه المقيم بباريس، حيث أبلغته بالخبر، الذي ولد موجة تضامن واسعة وسط الجالية الجزائرية بباريس.
تخلى عن الهندسة من أجل الموسيقى
كشف رفيق صاحبي أن شقيقه خير الدين، “ديدين” مثلما يلقبه أهله وأصدقاؤه، كان مولعا بالفن وكرّس حياته للموسيقى، وقال إن “ديدين” “تخلى عن دراسة تخصص الهندسة رغم اجتيازه عامين من الدراسة بنجاح، وانصرف إلى دراسة الموسيقى بمعهد باب الوادي أين تحصل على شهادة الليسانس“.
وتابع رفيق، الذي اعتذر عن نشر صورته، قائلا: “هذه هي سنته الثانية بفرنسا، حيث كان طالبا بجامعة السوربون، ويحضر شهادة ماستر حول ـ الموسيقى الإثنية ـ وأعد أطروحة رائعة حول هذا الموضوع“. وإلى جانب الدراسة، كان يمارس هوايته في الموسيقى، في جوق سعد الدين أندلسي. مضيفا أن شقيقه عمل بجد مدة سنة كاملة، كي يجمع المال اللازم للسفر إلى فرنسا، واستقر بباريس بمساعدة شقيقه المقيم هناك، وكذا صديقه بلال. وفي سبيل توفير تكاليف السفر اشتغل ببعض الأعمال البسيطة، كما درّس الموسيقى في إحدى المدارس العسكرية، أين ترك انطباعا طيّبا هناك. وكانت آخر مرة زار فيها “ديدين” عائلته في الجزائر بمناسبة عيد الأضحى الماضي، حيث مكث بالجزائر نحو ثلاثة أسابيع.
شهادات الجيران: سلوك مثالي وأخلاق رفيعة
ولد خير الدين قبل 29 سنة لوالدين، كلاهما أصيل منطقة القبائل، والدته متوفاة وكانت تشتغل أستاذة بالتكوين المهني ووالده إطار. وتجمع الشهادات، التي استقتها “الشروق” من الحي الذي تقيم به عائلة صاحبي بالرويبة، على تمتع الضحية خير الدين، بأخلاق رفيعة.
“كان وليد فاميلية“، تقول السيدة تركية جارة العائلة، وهي معلمة متقاعدة كان “ديدين” أحد تلاميذها. وتضيف أن سلوكه كان مثاليا وأنه “تلقى رفقة أشقائه الثلاثة تربية مثالية، ونشأ في جو نظيف.. ولن نسامح الإرهابيين الذين اغتالوا حلمه“. فيما تقول مسيّرة صيدلية الحي إن خير الدين “كان عاقلا ومحبوبا للغاية وطيبا حقا.. كما أن اشتغاله بالموسيقى الراقية انعكس على سلوكه“. وتحرص المتحدثة على التأكيد أنها لا تقول في حقه هذا الكلام لأنه متوفى “بل لأنه كان يتصف حقا بالخصال الحميدة“. وهو ما ذهب إليه السيد شوقي مالكي، المقيم في شقة أسفل شقة الضحية، حيث يقول: “لم يسبق أن صدر عنه أدنى إزعاج لجيرانه، وكان هادئا وخدوما وإذا طلبت منه شيئا يلبي الطلب بسرعة، وكان مبتسما على الدوام ويبادر بالتحية“.