الشروق العربي

داء العير والشياه (داعش)

الشروق أونلاين
  • 3091
  • 0

منذ أن بدأ الكلام عن “حمى الخرفان”، إلى أن أقلع الناس والدولة عن تخويف الدولة والناس من هذه الحمى التي لم تقلع، كانت حمى الأسعار تلتهب في كل القلاع! حتى أني فكرت في أن الأمر لا يعدو أن يكون مكيدة دبرت بليل لجني الأرباح بالنهار! الأكيد أن بعض النافذين في استيراد اللحوم، يكونون قد استوردوا كميات ضخمة من اللحوم المجمدة، لم تستهلك. وخشية أن يمنوا بخسارة فادحة، راحوا يروجون إعلاميا للحمى القلاعية، ليتوقف الناس مؤقتا عن شراء اللحوم المحلية، في انتظار أن ينفد مخزون اللحوم المجمدة المستوردة. وهذا ما حصل في رأيي الخاص! بعد أن بقي أقل من 20 يوما للعيد، أعيد فتح أسواق الماشية بدعوى أن الحمى القلاعية قد أقلعت عنا وعن مواشينا! وأننا تغلبنا على “الإرهاب الفيروسي” وقضينا على “داعش” (داء العير والشياه)، دونما حاجة “لتحلف” دولي!

أنا كنت من بين الذين روجوا لهذه المكيدة التجارية، فقمت بشراء قطعان بأكملها مباشرة من عند الموالين في الهضاب والجنوب، وهذا في قلب حملة التخويف والترهيب من “داعش” المواشي! اشتريت أكثر من نصف زرائب الجزائر، والبقية اقتسمتها مناصفة مع صديق مستورد للحوم. هكذا، صرنا نحن الاثنان، نتحكم في أسواق الماشية كلها: اشتريناها بالجملة في زرائبها وعند أصحابها وقلنا لهم: نأخذها عليكم بنصف سعرها على أن تبقى عندكم ترعى إلى يوم العيد..”اللي مات، مات، واللي عاش عاش”، ولا نريد أن نكلف أنفسنا عناء التفكير في الربح والخسارة! نحن نغامر معكم لشراء هذه القطعان..وعلى الله التوكل. “فرح المربون من الأعراب”، بهذه العروض، خاصة مع الصورة القاتمة التي صورنا لهم حول عدوى هذا المرض هذه السنة، والذي قد يهلك الحرث والنسل ولا يذر على الأرض كبشا ولا نعجة ولا خروفا ولا بقرة ولا “وكريفا “..!

وقبل أن يعلن وزير الفلاحة عن انتهاء مرحلة الخطر، كما كنا مقررين، كنا ننقل كل هذه القطعان في الشاحنات نحو مساحات تجميع وحشد لهذه الكباش في انتظار فتح الأسواق! وكان علينا وقتها أن نطلب ما نريد وما “نزيد”! لم يمت من الكباش والخرفان سوى واحدا في الألف! بفعل الاكتظاظ في “وسائل الشحن”. ومن البقر لم تمت بقرة واحدة من أصل 3 آلاف.

هكذا، رحنا نبيع الكباش والخرفان الذي كان سعرها في حدود 3 ملايين، واشتريناهم نحن  بمليون، رحنا نبيعها بخمسة..فجنينا أكثر من الأرباح أربعة أضعاف (ربحنا في الدنيا، وخسرنا في الآخرة!). كما أن اللحوم التي استوردناها من الهند، بعناها بضعف سعرها، وكنا على شفا حفرة من تكبد خسارة فضيعة لو لم نبدع  سيناريو “الحمى القلاعية”، الذي حاولنا في واقع الأمر، استغلاله وتوظيفه كل سنة، لكن، هذه السنة نجح المخطط بشكل جيد. ونأمل في السنة المقبلة أن نبدع شكلا جديدا من “الماركتينغ” الرعوي، لتحقيق فائض ربح أكبر بعون الله، نستثمره في امتصاص “البطالة” (أي نمتص الربح، باطل، بدون خسارة!).

هذا ما كان في المنام بالنسبة لي. أما في الواقع السحري، فقد كان الوضع مختلفا: فلقد قمت بشراء خروفين “أوكازيون” مستعملين، لكن في حالة جيدة..”بون إيطا”. لا يزنان أكثر من أربعة كيلوغرامات. اشتريتهما وقت فوبيا الحمى القلاعية بنصف مليون الاثنان مع بعض! يعني 2500 دينار للواحد!، وربيتهما فوق سطح البيت أحسن تربية وعلى مستوى رفيع من الأخلاق: لا بعر ولا تبعرير! بنيت لهما بيتا من القش والخش، ورحت أطعمهما كل ما هب ولا يدب، وهذا لمدة شهرين! لم أخسر معهما سنتيما واحدا، ماعدا التحرك هنا وهناك لجلب الكسرة اليابسة من عند الجيران وجمعها من الشوارع المجاورة. لم يكن الأمر صعبا جدا! الخبر اليابس المرمي، متوفر عندنا بكثرة في المزابل! لا خوف على الخروفين ولا هم يحزنون. الماء باطل، لأني لا أدفع ثمن العداد! (عندي توصيل مباشر من القناة الرئيسية مباشرة إلى الدار. نفس الشيء بالنسبة للكهرباء! ربط مباشر مع الخط العمومي! الضوء على ظهر سونلغاز. وحتى الأنترنيت، نأخذ من الموجات المستقبلة لدى جيراننا من الأطراف الأربعة. تعرفون؟.. عندنا وحححححد الريزوووو ويفي.. إنما روعة! الجيران يشتكون من التدفق ونحن نقول له: لا لا.. الديبي مخير! قاع ما ينقطعش وفوووور! (لأننا نأخذ الديبي من 4 جيران! حتى أن الناس الذين عرفوا قصتي فيما بعد مع الكونيكسيون من عند الجيران.. سموني “حسن ديبي“!).

 

قبل العيد بيوم، بعت الأول في اليوم الأول، وتركت الثاني لليوم الثاني: بعت الأول بأربعة ملايين وجنيت ربحا صافيا قدره 3.5 مليون! ولو لم أفعل ذلك، لكنت خسرت 3 ملايين على الأقل لشراء كبش لائق ومحترم. هذه العملية، دفعتني للتفكير جديا من أن أترك العمل في التعليم وألج عالم “الرعي فوق السطوح”: إن شاء الله، السنة المقبلة، سوف أحاول استثمار كل المساحات والفضاءات الموجودة عندي في الدار (السطح واسع، لأني لم أبن فيه غرفة واحدة، وتركت السلوكا خارجيين هذه 35 سنة!). كما سأحاول أن أفرغ القاراج لهذا الغرض! (لست أدري لماذا، كلما يبني شخص عندنا بيتا، “يدير قاراجات من تحت والسكنة من فوق؟”..أنا فكرت بطريقة عكسية، أردت أن أبني بيتا لم يبنه أحد من العالمين: درت القاراجات من فوق والسكنة من تحت! والسبب أن بيتي بنيته في حفرة. حفرت التلة بحيث صار سطح بيتي في نفس المستوى مع التلة! أي يمكنك أن تركن السيارة فوق السطح!. ولما أني لا أملك سيارة، قلت، لماذا، لا أحول السطح الذي هو القاراج إلى زريبة؟ وربما أفرغ بعض البيوت التي ينام فيها أبنائي: أحشر الأطفال في بيت واحد وأترك البيوت الأخرى للكباش! الكباش مربحة أكثر من الأبناء! وهذا مشروع على كل حال متروك للسنة المقبلة.. إن كنا على قيد الكباش.. آآه.. على قيد الحياة…

مقالات ذات صلة