الرأي

داعش والمتهم الغائب

صالح عوض
  • 2119
  • 0

تجتاح العالم موجة عارمة ضد داعش والتنظيمات التكفيرية والسلفية المسلحة‮.. ‬وأصبح كل من هب ودب‮ ‬يستل سيفه مهاجما صارخا‮.. ‬وتسكن بعض هؤلاء روح ليست أقل خطورة من تلك التي‮ ‬تسير العنف المسلح‮.. ‬وأصبحت لازمة الهجوم على داعش والعنف التكفيري‮ ‬ضرورة لكل متحدث في‮ ‬الفكر والسياسة‮.. ‬ومن خلف الجميع تقف الماكنة الإعلامية الغربية الضخمة التي‮ ‬تصيغ‮ ‬المصطلحات وتبث الدعايات وتركب المشهد تركيبا محكما في‮ ‬محاولة كبيرة ضخمة لشيطنة الإسلام والمسلمين‮.. ‬وهنا لابد من التفريق بين بواعث‮ “‬جماعتنا‮” ‬المتحدثين عن الدواعش والسلفية المحاربة،‮ ‬وبواعث الأمريكان والغربيين وأصحاب المصالح الأنانية‮.‬

في‮ ‬هذه الإشارة أحب أن أوجه أصبع الاتهام إلى من لا‮ ‬يتحدث عنه أحد وهو السبب الكبير الذاتي‮ ‬في‮ ‬وجود التطرف المسلح الذي‮ ‬يتزود بألفاظ شرعية‮.. ‬إن المتهم الحقيقي‮ ‬الكبير هو المتسبب في‮ ‬حالة الفراغ‮ ‬الديني‮ ‬في‮ ‬مجتمعاتنا العربية والاسلامية،‮ ‬فلقد ابتلينا بعلمانية متطرفة أقصت الدين بعيدا واستهتزاء من تعاليمه وقيمه وتاريخه‭.‬

كان‮ ‬يمكن‮ ‬غض البصر عن هذه العلمانية المتوحشة لو ظلت في‮ ‬إطار وجهة نظر وفرقة نخبوية مثقفة مكتفية بالتنظير والعمل الثقافي‮ ‬والفكري،‮ ‬لكن أن تصبح هذه الفئة في‮ ‬سدة الحكم فكان عليها أن تنسحب من دائرة الأحادية وتتحسس نبض المجتمعات وتحافظ على توازنه‮.. ‬في‮ ‬كل البلدان التي‮ ‬انفجرت الأوضاع فيها انفجارا مدويا عاشت حالة من الإقصاء الرهيب وتفريغ‮ ‬الساحة من الدين السمح والفكر الاسلامي‮ ‬والنشاط المتفتح،‮ ‬وحاولت تلك الأنظمة ملء الفراغ‮ ‬بأشكال كاريكتورية مشوهة زادت نفرة الناس منها وممن ورائها‮.. ‬

إن‮ ‬غياب الخطاب الاسلامي‮ ‬والدعاة والمفكرين الاسلاميين فتح الباب على عنصرين متكاملين،‮ ‬الأول أن شغل السطحيون المواقع الدينية وفقد المجتمع القدوة والرأي‮ ‬السديد،‮ ‬واصبح كل من‮ ‬يذهب للدين ودراسته،‮ ‬هم من اصحاب المستوى العقلي‮ ‬والنفسي‮ ‬المحدود في‮ ‬كثير من الأحيان،‮ ‬حيث‮ ‬يجد كل من لديه قدرة عقلية ونفسية وظروف مواتية ان سبيل التحصيل العلمي‮ ‬المادي‮ ‬او التجارة اكثر فائدة لمعيشته له لاسيما والائمة والمدرسون والوعاظ لا‮ ‬ينالون من الأجر إلا البخس فغاب التنافس على هذه المهمة الشريفة،‮ ‬وأما العنصر الآخر تلقائيا فهو بروز التطرف الفقهي‮ ‬والعقائدي‮ ‬والفكري‮ ‬والسياسي،‮ ‬مستفيدا من خطاب الأنظمة الإقصائي‮ ‬ومن سلوك أجهزة أمنها في‮ ‬كثير من البلدان،‮ ‬حيث التنقيب في‮ ‬القلوب والكلمات‮.. ‬هنا وجد المتطرفون من اصحاب الإرث النزق مبررات لخطابهم التكفيري‮ ‬والتفريقي‮ ‬والقتالي‮..‬

هذا هو السبب الذاتي‮ ‬الأساس في‮ ‬تولد حالات العنف الديني‮ ‬في‮ ‬بلادنا‮.. ‬إنني‮ ‬أتهم العلمانية المتوحشة والإقصائية الحادة التي‮ ‬حكمت كثيرا من بلاد العرب لاسيما في‮ ‬بلاد الشام والعراق وتونس وسواها،‮ ‬اتهمها بأنها المحضن الأساس لتولد جماعات القتل والتكفير‮..‬

إن المعالجات الأمنية ثبت فشلها المرة تلو المرة وهي‮ ‬كمن‮ ‬يحاول اطفاء اللهب ويغيب عنه مصدر النيران‮.. ‬فقط بالحريات وتشجيع الدارسين للعلوم الدينية وانتقائهم من عائلات محترمة وبمستويات عقلية ونفسية محترمة وتوفير الإمكانيات المادية المحترمة لهم،‮ ‬بهذا نكون جففنا منابع السلفية التكفيرية والعنف المسلح‮.. ‬تولانا الله برحمته‮.‬

مقالات ذات صلة