الرأي

دجل العالم الافتراضي

حبيب راشدين
  • 2382
  • 16

الفرق بين العالم الافتراضي والعالم الحقيقي هو كالفرق بين الباطل والحق، ولم يكن الباطل من قبل ومن بعد سوى استدعاء للمشتبه من الحقائق الافتراضية بنية طمس الحقيقة بالكذب والتدليس، يريد لنا أصحابها أن نرى ما يرون، حتى يحجب عنا ما ينبغي أن نرى، وقد سبقهم فرعون بالقول: “مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ”.

فقبل سنة أو يزيد قليلا، كان الإعلام العالمي المهيمن يعرض علينا بأدق التفاصيل صورة مركبة لعالم عربي يوشك ربيع الشعوب فيه أو يسقط أعتى الأنظمة الاستبدادية في تقدير الغرب وبمقاييسه. فقد كان الإخوان قد مكنوا من موقع الرئاسة في أكبر بلد عربي، وكان نظراؤهم التونسيون يسيطرون على المشهد السياسي، وكنا على مرمى حجر من عملية عسكرية أمريكية غربية، قيل إنها كانت ستسقط الأسد في بحر ساعات قليلة.

لقد كان هذا هو المشهد الافتراضي الذي صنعته آلة الجيل الرابع من الحروب، التي تصور فعالياتها داخل استوديوهات التصوير قبل أن تبث على العالمين على أنها حقائق على الأرض، ينقلها جيش من “النشطاء” وقد حولهم الإعلام إلى مراسلين ثقاة من ميادين التحرير، ومن جبهات القتال التي فتحها ربيع الشعوب على العرب.

غير أن العالم الحقيقي الذي أراد التزوير الإعلامي أن يحجبه عنا ظل قائما، عنيدا، مقاوما، ممانعا بشخوصه التقليدية، ينتظر ساعته ليقلب الطاولة على العالم الافتراضي. وتشاء الصدف أنه في اليوم الذي يعلن فيه عن فوز الرجل الذي أطاح بحكم الإخوان، يكون أيضا اليوم الذي خرج فيه الملايين من السوريين للمشاركة في انتخابات رئاسية سوف تجدد بلا ريب للرئيس السوري.

ومع التسليم بعبث عسكر مصر بالصورة لتوظيف الغضب الشعبي من حكم الإخوان، فإن خروج أكثر من عشرين مليون مصري لمنح الشرعية للانقلابيين، وخروج السوريين بأعداد كثيفة أمس للمشاركة في الاستحقاق الرئاسي، قد حكم بالإفلاس على ما ظهر وما استبطن من مسارات الربيع العربي، وعلى رأسها انهيار مشروع الشرق الأمريكي الكبير.

والحال ليس لعاقل أن ينكر أن بعضا من الدول التي انبرت لنصرة الربيع العربي هي التي ساندت المسار الانقلابي في مصر، وأن نفس القوى الغربية التي جندت الشباب العربي للمشاركة في قتال نظام بشار الأسد، هي ذاتها التي تلاحقهم اليوم بتهم الإرهاب، أو تتوعدهم بالملاحقة عند العودة، فهم ثوار مجاهدون وطلاب حرية في سورية، وإرهابيون متى عادوا إلى الديار، في سيناريو يذكرنا بما حصل للعرب الأفغان.

آمل أن تكون الشعوب العربية قد وعت الدروس، وأن تتعلم كيف تميز بين العالم الحقيقي والعالم الافتراضي الذي يسوق لها بأدوات الجيل الرابع من الحروب، وأن تبحث عن مسارات أخرى للتغيير لا تصنعها قناة الجزيرة، ويتقاسم فيها الإفتاء الدعي الصهيوني بيرنار هونري ليفي، ومشايخ دين أحلوا ما حرم الله وأجازوا موالاة اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض. 

مقالات ذات صلة