الرأي

درسٌ في براعة المناورة

حبيب راشدين
  • 3119
  • 0

ربما يكون الأمين العام لجبهة التحرير قد سُخّر مرة أخرى لنقل رسالة غير مشفرة لكل من يعتقد أن الفريق المقال ما زال في قلب لعبة السلطة، بلفت الانتباه إلى “نهاية السلط الموازية للسلطة الرسمية” سواء على المستوى العسكري الأمني، أو على المستويات السياسية،والاقتصادية، والإعلامية. نهاية تُوِّجت بإقالة الفريق توفيق ولم تبدأ معها.

فقد كانت الإقالة محض تحصيل حاصل لمسار منهجي قاده الرئيس على مراحل وبالتقسيط المريح، لم يكن يستهدف لا المؤسسة الأمنية، ولا مديرها، أو حاشيته المقرّبة، بقدر ما كان يستهدف إعادة ترتيب بيت المؤسسة العسكرية كشرطٍ مسبق لإعادة ترتيب بيت الدولة وتوحيد قيادتها.

الرئيس، الذي أعلن منذ البداية أنه لن يكون ثلاثة أرباع رئيس، أنفق ثلاث عهدات في “استرداد” الدولة وانتزاعها قطاعا بعد قطاع من قبضة السلطة الموازية، بدءا بمؤسسة الجيش والمؤسسات الأمنية، وانتهاء بالجهاز البيروقراطي الإداري الساقط بالكامل تحت هيمنة “الدي آر أس” لم تنفع معه حملاتُ تجديد أسلاكه في الإدارات المحلية والمركزية، كما في أسلاك القضاء والأمن، وكأن بعضهم كان يقول له: غيِّر كيفما شئت، فليس لك سوى مصدر واحد، نحن من نختار رجالاته.

لم يكن من الحكمة أن يدخل الرئيس في مواجهة مفتوحة مع مكوّنات دولة كانت بلا ريب بيد دولة الظل، فصرفَ كل جهده لاستعادة المؤسسة العسكرية والمؤسسات الأمنية، واستهلك القسط الأكبر من إطارات الجهاز البيروقراطي عبر حركات تجديد قيادات مؤسساته، واضطر إلى تقريب جزء من شخوص المشهد السياسي المخترق، وحيَّد بذكاء بعض مؤسسات الحكم، مثل البرلمان، وأخرجها من اللعبة حتى لا تكون ظهيرا عليه، كما لم يتردد في إفساد مكونات المشهد السياسي والإعلامي الموالي والمعارض على السواء، كما نجح في تفكيك بؤر المشاغبة الأخطر ملفات الهوية، بتوريط نشطائها سواء من القوى العلمانية أو الإسلامية، قبل أن تمتد يده لضرب شبكة المصالح، أو على الأقل استمالة مراكز الثقل فيها.

أكثر من كان يتابع هذه المواجهة الصامتة، كان يعلم أن الدور سوف يأتي على الرأس المدبر، الذي يكون قد ساعد على تعجيل الحسم حين سعى بالمكشوف إلى تعويق مسار العهدة الرابعة، ليكتشف أن الرئيس قد نجح في افتكاك الأدوات التي كان يعول عليها في صناعة الملوك وإسقاطهم، وقد علمنا لمن كانت الغلبة في اللحظة التي حسمت فيها العهدة الرابعة حتى من غير حاجة إلى حملة يقودها الرئيس بنفسه، والبقية كانت محض تفاصيل، بما في ذلك انطلاق مسلسل تفكيك “الدي آر أس” الذي نفذ بسرعة خاطفة، بعمليات جراحية دقيقة، كانت أهم محطاتها انتزاع مصالح الأمن العسكري من ” الدي آر أس” وإلحاقها بأركان الجيش.

ولمن شاء أن يستفيق من أحلام اليقظة، فإن مقرّ صناعة “الملوك” هو اليوم بقصر المرادية، ولا سبيل للمضاربة حول صراع أجنحة قد حُسم وانتهى، وربما يحسن ببعضهم، ممن تتطاول أعناقهم للمنصب، أن يعي هذه الحقيقة، فلا مؤسسة الجيش معنية بالتورط مجددا في المستنقع السياسي وتخريب وحدتها المستعادة، ولا أحزاب المعارضة والموالاة مؤهلة للترشيح والترجيح، وعلى الجميع أن ينتظر محتوى التعديل الدستوري ليتعرف أولا على طبيعة الدولة التي يريد الرئيس توريثها لخلفه، قبل استشراف من يرتضيه للخلافة. 

مقالات ذات صلة