دروس الدعم سمسرة علنية في مستودع بارد
سمّيت بدروس الدعم كي تكون دعماً لا أساساً، ولربما كان منها المفيد للطالب، تلك التي تكون في أماكن مرخصة ومخصصة تسمح له بالتركيز الجيد فيما فاته أو صعُبَ عليه استيعابه على مقاعد الدراسة، لكن ومع زيادة الطلب على هذه الدروس، أضحت اليوم تجارة مربحة للبعض، يمارسونها في مختلف الأماكن والأوقات، حتى منهم من أصبح يقدمها في مستودعات، لا توحي إطلاقا بوجود علاقة بينها وبين العلم، بل وأشبه بمرآب للسيارات، ومنها من تتواصل في هذه الأماكن ولساعاتٍ متأخرة من الليل في ظل غياب الرقيب، بدافع أن البرامج الجديدة عسيرة الإستيعاب.. هي حجج دفعت بالعديد إن لم نقل الأغلب من الأولياء والتلاميذ لدخول عالم دروس الدعم والتخطيط لتكلفته كأولوية حتمية لا بديل عنها، الأمر الذي جعلنا نقترب منهم للتقصي عن آرائهم فكان لنا هذا الإستطلاع.
“لا نفهم بالقسم ونستوعب في المستودعات!”
حساسية الأمر قادتنا بخطى ثابتة إلى بعض التلاميذ، قصد معرفة سبب إقبالهم على هذه الدروس والأماكن التي يقصدونها للتزود منها، فكانت لنا وقفة أمام إحدى الثانويات بالعاصمة، وبداية الحديث كانت مع “سعاد” 17 سنة، دارسة بقسم السنة الثالثة، تقول مجيبة على تساؤلنا: “في الأغلب لا نفهم داخل القسم ولكن مع دروس الدعم يزداد استيعابنا أكثر، وأنا أتلقى هذه الدروس في مدارس متخصصة لأنها أدرى بالبرنامج الدراسي، عكس الكثير من زملائي الذين يتلقونها في المستودعات على الرغم من كثرة عدد الطلاب المتواجدين بها، و المضحك أن الأستاذ الذي يدرسهم في المستودع هو نفسه الذي يدرسهم في القسم!، فكيف لا يفهمون عليه بالقسم ويستوعبون مقابل أجور عالية في المستودعات؟!”.
“إما دروس الدعم في منزلي أو الرسوب الحتمي!”
عدوى دروس الدعم لم تَطل أصحاب الثانويات فحسب، بل توسعت لتشمل المتوسطات ، جمعتنا الصدفة بـ”انتصار”، ذاتُ الخمسة عشر ربيعاً وهي في طريقها إلى مدرسة خاصة لتلقّي دروس الدعم، استطردت حديثها معنا قائلة: “نحن مضطرين للتسجيل في الدروس الخصوصية، فهناك بعض الأساتذة يتعمّدون عدم التلقين الجيّد للدروس في الأقسام بهدف الدّفع بنا إلى المُضيّ نحوهم وإجراء الدروس الخصوصية لديهم، و حين نشكوا للأستاذ عدم استيعابنا للدرس، بدون تردّد يقترح علينا الذهاب إلى منزله ليُزوّدنا أكثر بقواعد الدروس والتمارين، وطبعاً كُل بأجر مدفوع ، و منهم من يُعطي علاماتٍ ممتازة لمن يقصدهم في هذا الغرض ويُغرقون البقية بعلامات متدنية)”.
“دروسٌ تُقدّمُ على طبق خضارٍ في المطبخ“
فاطمة إحدى الأمهات المتأثرات بحال الدراسة والذي آل إلى الهاوية كما تقول: “مؤسف أننا أضحينا في زمنٍ يسير فيه طلاب العلم بمقولة –لا نجاح بدون دروس خصوصية–”، لتعود بنا من خلال نبرتها الحزينة إلى أيام الزمن الجميل، حيث كان العلم الذي يُكتسبُ من الأستاذ في القسم أكثر من قيّم، لا بل وكافياً ليخلق أجيالاً كلها ثقافة ورقيّ وأدب، لتمزج كل هذا مع ما أسمته بالضمير الحيّ لأساتذة “زمان”، فتقول: “كانوا يقدمون لنا المعرفة بطرق عديدة و مختلفة فقط حتى يسهل علينا الإستيعاب، كما أنهم كانوا لا يغادرون القسم حتى يفهم الجميع، حتى وإن تطلب الأمر وقتاً إضافياً”. هذا ولم يسلم أولاد فاطمة من هذه الدروس أيضاً بحكم أنهم يتعايشون والجيل الجديد، لتروي لنا قصة إبنتها الصغيرة “نسمة” والتي تدرس في السنة الثانية من الطور الإبتدائي، فتقول: “أستاذة الفرنسية التي تُدرّس إبنتي تشترط عليهم الذهاب إلى منزلها للتعلم أكثر، و حجتها في ذلك أنهم يدرسون هذه المادة لأول مرة في حياتهم، غير أني لم أعارض في بادئ الأمر إلى أن رأيتُ بأمّ عيني ما لن تصدقوه ربما” لتصمت برهة وتلملم تعابيرها من جديد : “دخلتُ فجأةً لأعيد إبنتي معي إلى البيت فوجدتُ المعلمة تقوم بتقشير الخضر لطهي الغذاء والأولاد حولها.. فتبادرت إلى ذهني صورة الجدة التي تحكي لأحفادها عن أيام الثورة أو شيء من هذا القبيل“.
وفي ظل كلّ هذه التصريحات التي أبتْ إلا أن تكون صوتاً للبعض حول معاناتهم، نبقى نتساءل هل أصبحت دروس الدعم في وقتنا هذا الطريق الوحيد للنجاح؟