الرأي

دسترة الاسترشاد برصيد الوطن من الذكاء

حبيب راشدين
  • 4126
  • 4

في دولة ناشئة قائمة على إقصاء الأقلية للأكثرية من صناعة الحلم الوطني الجامع، يتوجب على أي إصلاح دستوري صادق أن يلتفت إلى مطالب المجموعة الوطنية بتوفير الحماية للمواطن من تغول السلطة أولا، وحماية السلطة من الخطأ والاستبداد بالرأي الفاسد باستدعاء المخزون الوطني من المعرفة والذكاء لترشيد إدارة الشأن العام.

 

إنشاء الدساتير أو تعديلها يكون في العادة فرصة للمجموعة الوطنية لفتح حوار مجتمعي واسع يسبر آراء المواطنين حول سؤالين محوريين: ما هي العيوب أو مواطن القصور في العقد الاجتماعي الساري المفعول والتي تحتاج إلى معالجة وتجديد الوفاق عليها؟ وما هي الاستحقاقات والتحديات الجديدة التي تحتاج إلى بناء توافق مجتمعي حولها؟ قد نجملها ابتداء في حاجة النخبة الحاكمة إلى إعادة النظر في طبيعة نظام الحكم وتوزيع الصلاحيات بين مؤسساته، وحاجة المواطن إلى قدر من الحماية من تغول السلطات، تمر حتما عبر ترسيخ مبدأ استقلال القضاء، وتسخير المنظومة البيروقراطية والتقنوقراطية والأمنية بالقانون والقانون وحده، وأخيرا التفكير في صيغة دستورية تفتح مجال المشاركة لأهل المعرفة والعلم والذكاء في ممارسة نوع من الخبرة والحسبة العلمية للسياسات الحكومية، والرجوع إليها في صياغة الحلم الوطني الجامع.

 .

احتلال الفكر الواحد للعقد الاجتماعي

لا يختلف اثنان على أن ما هو متناول الآن بشأن التعديلات الدستورية، وتحديدا بشأن الفصل مجددا في طبيعة نظام الحكم، والتفريعات الدستورية الكثيرة بشأن إعادة النظر في توزيع الصلاحيات بين السلطات والفصل بينها، لا يعني كثيرا عامة المواطنين، من حيث أنه ترف دستوري يشغل بال جزء يسير من النخبة، فيما نرى الرأي الغالب في المجتمع مهموما بقضايا الفساد المطبق على جسم الدولة، المستشري بشراسة في ما بقي من مكونات المجموعة الوطنية، وبقضايا توزيع الثروة الوطنية وما تتعرض له من افتراس مباشر، فضلال عن المخاوف المشروعة من غياب رؤية مستقبلية لتداعيات حقبة ما بعد نفاد المحروقات، وبعضها منشغل بما يراه من استبعاد مبيت لأهل المعرفة والخبرة والذكاء من ساحات صناعة القرار.

خلال خمسة عقود مضت، أصرت النخبة الوارثة للحكم بعد ترحيل الاستعمار على التفرد ليس فقط بصناعة القرار، بل احتكرت بالكامل فضاء صناعة الحلم الوطني الجامع، وكأن الشعب بأكمله هو كيان قاصر، لم يؤهل بعد ليتولى تدبر إدارة أمره بنفسه، فضلا عن تحقيق التوافق حول الحلم المشترك. فقد كتبت جميع دساتير البلاد داخل مكاتب مغلقة، على يد حفنة من الخبراء الدستوريين في أحسن الأحوال، موجهة بدفتر شروط تحرره ثلة محدودة العدد من الماسكين بالسلطة بطرق المغالبة، هي التي اختارت للشعب غداة الاستقلال خيار الاشتراكية التي لا رجعة فيها، وحكم الحزب الواحد الذي لا يراجعه أحد، قبل أن تولي وجهها قبل كعبة الليبرالية، وما سمي باقتصاد السوق في الشق الاقتصادي، والتعددية الحزبية الصورية في الشق السياسي، دون أن يكون للمواطنين رأي في الخيارين.

 

“جوهر الصراع بين النخبة على التعديلات الدستورية ليس له دوافع إصلاحية للدولة تقترب من تجسيد مبدأ “الشعب هو مصدر السلطات” لأن المبدأ قد ضرب عند المنبع، بتغييب المواطنين في جميع عمليات كتابة الدستور أو تعديله”

 

التعديلات الكثيرة التي أدخلت على دستور 89 تشهد على فشل مسارات التعديلات التي تخضع لحاجات وأهواء الطرف الماسك بالسلطة ليس إلا، تكون غير قادرة على الصمود أمام أدنى تغيير يحصل في موازين القوة على مستوى القمة، أو أمام تجدد متطلبات إعادة هيكلة مؤسسات الدولة، وسوف يكون مآل التعديل الجاري حياكته بتقنيات الفتق والرتق والترقيع إلى ما آلت إليه التعديلات السابقة.

 .

عقد اجتماعي بين أهل مجتمع القلة

دعونا نحصي حاجات النخبة الحاكمة في هذا التعديل، قبل استشراف بعض المطالب الشعبية التي سوف يصرف عنها النظر كالعادة. فما رشح حتى الآن عن مسودة دفتر الشروط المعروض على لجنة تعديل الدستور شبيه بحل معادلة من الدرجة الثانية، يبحث فيها عن التوفيق بين مجهولين: تدبير دستوري يجنب السلطة حرج الدعوة إلى عهدة رابعة لها أكثر من مانع ومعوق، مع تخريج صيغة توافقية تسمح للنظام بتجاوز عقبة نهاية العهدة الثالثة قبل أقل من عام، ربما بإعادة النظر في مدة العهدة الرئاسية بتمديدها إلى سبع سنوات، تضيف سنتين إلى العهدة الثالثة، واعتماد نظام شبه رئاسي موسع يلحق بالرئيس نائب أو أكثر يتم تسويق أحدهما لاحقا تحت عباءة الرئيس ليكون مرشح الدولة العميقة بعد نهاية العهدة السباعية.

جوهر الصراع بين النخبة على التعديلات الدستورية ليس له دوافع إصلاحية للدولة وبناء مؤسسات ديموقراطية تقترب من تجسيد مبدأ “الشعب هو مصدر السلطات” لأن المبدأ قد ضرب عند المنبع، بتغييب المواطنين في جميع عمليات كتابة الدستور أو تعديله، إلا ما يكون من دعوته لأداء شهادة الزور عبر الاستفتاء، وسوف يغيب لاحقا عند صياغة التشريعات، وإدارة الشأن العام عبر مؤسسات دستورية لا يلتزم فيها ولي الأمر المنتخب بالبرامج التي انتخب عليها.

 .

الحماية الغائبة لمجتمع الغلابة

بقي أن نتوقف لحظة عند مطالب عامة الناس وتطلعاتهم، لنكتشف أن المواطن لا يعنيه كثيرا كيف يتم توزيع غنيمة السلطة بين الجهاز التنفيذي والمؤسسات التشريعية، بقدر ما يعنيه أن يتولى التعديل الدستوري حماية المواطن من هذه السلطات مجتمعة، والتي تنفذ اعتداءاتها اليومية على المواطن عبر الجهاز البيروقراطي التقنوقراطي والأمني من جهة، وعبر ما يوصف مجازا بالسلطة القضائية.

فالمواطن، وعلى مدار السنة، لا يوجد في احتكاك متصل، لا مع السلطة التنفيذية ممثلة في الرئاسة والحكومة، ولا مع السلطة التشريعية ممثلة في البرلمان، لكنه في رباط دائم على خطوط المواجهة والعراك، بل والحرابة مع المركب البيروقراطي التقنوقراطي الأمني، المنفذ لإرادة السلطتين على الأرض، وحين ينجو من تعسف المنظومة البيروقراطية والأمنية تطاله مؤسسة العدالة، التي لا تختلف في ارتفاقها وتسخيرها خارج القانون لإرادة السلطة عن تسخير الإدارة والأمن والقضاء لخدمة السلطة.

ولأن المجال قد لا يتسع لبحث جميع مواطن الإصلاح التي يحتاجها الدستور حتى يتحقق حوله الإجماع، فإن المطلب الذي ينبغي أن تلح فيه وعليه العامة من المستضعفين، والذي لا يقبل التأجيل، ولا يكلف الدولة دينارا واحدا، أو يشق عليها بإجراءات تنظيمية مكلفة، هو بلا ريب وضع ترتيبات دستورية واضحة لا تحايل فيها، تمنح القضاء استقلالية كاملة عن السلطتين، تؤمن القاضي من استبداد الحاكم بأدوات تدجين القضاء التقليدية، كما تمنح قدرا مماثلا من الاستقلالية للمنظومة البيروقراطية والتقنوقراطية والأمنية للدولة، بحيث لا تسخر ولا تؤمر إلا بالقانون والقانون وحده، حتى لا يسمح لأحد مهما علا شأنه أن يكون فوق القانون، متمترسا بحصانة ومنعة من الملاحقة القضائية، هي الأصل في ما ينشأ من سلوك فاسد، ومن اعتداءات منهجية للعلية على القانون أولا، ثم على المال العام وعلى حقوق العامة من المواطنين.

 .

دسترة استرشاد الحكم بأهل المعرفة

   بقي لنا أن نغتنم فتح ملف التعديل الدستوري للنظر والتدبر في سبل بناء الحكم الراشد، الذي لا يحتاج إلى التوفيق في اختيار ولاة الأمر الأكثر نزاهة وأمانة وتفانيا في خدمة المجموعة الوطنية، بقدر ما يحتاج إلى تأطير مؤسسات الحكم بمنظومة مؤسساتية تنفتح على أهل المعرفة والحكمة والخبرة، تسترشد بهم السلطات المنتخبة في جميع مراحل صناعة السياسات والقرارات.

فقد أثبتت التجارب الديموقراطية في الشرق والغرب أن المسارات الانتخابية مهما كانت نزاهتها لا تفي بإيصال أهل المعرفة والخبرة لمواقع صناعة القرار، مع عزوفهم في الغالب عن الدخول في المنافسة على السلطة. كما أن استقطاب بعضهم لتولي مناصب استشارية في أحسن الأحوال يحولهم إلى مجرد موظفين، ليس لهم كلمة أو رأي سوى ما يستحسنه صاحب القرار. ومع افتقارنا إلى قدر من التواصل بين صناع القرار ومواطن إنتاج المعرفة والذكاء في الجامعات والمعاهد ودور الدراسات مع قلتها وضعفها، فإن صانع القرار، على مستوى الحكومة أو البرلمان أو باقي مؤسسات الحكم وإدارة الشأن العام، تلجئه الحاجة في الغالب إلى استنساخ قاصر من تجارب وخبرات الغير.

“منظومة الحكم الراشد تحتاج في ما تحتاج إليه إلى تأمين مسارات وصول أهل الخبرة من الساسة لمواقع صناعة القرار، كما تحتاج بالضرورة إلى إيصال أهل العلم والمعرفة والذكاء إلى مواقع صناعة الخبرة والحسبة العلمية والتقنية”

منظومة الحكم الراشد تحتاج في ما تحتاج إليه إلى تأمين مسارات وصول أهل الخبرة من الساسة لمواقع صناعة القرار، كما تحتاج بالضرورة إلى إيصال أهل العلم والمعرفة والذكاء إلى مواقع صناعة الخبرة والحسبة العلمية والتقنية، بتصور مؤسسات استشارية دستورية، في شكل مجالس استشارية ملزمة لصانع القرار، يعود إليها قبل صناعة القرار ونقله إلى حيز التنفيذ، كما يستعين بها في متابعة التنفيذ وإجراء نوع من الحسبة أو الرقابة العلمية للتنفيذ ولتبعات القرار أو السياسات.

فقد كان بوسعنا أن نتجنب الكارثة التي صنعها إصلاح منظومة التربية والتعليم، لو أن وزارة التربية والتعليم كانت مسندة بمجلس استشاري مستقطب لخيرة الكفاءات العلمية والبيداغوجية في البلد، مؤهل بأدوات بحث وقياس واختبار، منفتح على التجارب التعليمية في العالم، وعلى تواصل تنظيمي مع كوادر المنظومة التربوية، ملم بحاجات مؤسسات الدولة والاقتصاد، قادر على استشراف طلبات السوق من الكادر المتعلم. وما كان للبلد أن يصدم بهذا الكم الهائل من فضائح الفساد والعبث بالمال العام، لو أن جميع القطاعات الحكومية كانت مؤيدة بمجالس استشارية مستقلة وذات صلاحيات، تعمل العقل والذكاء في ما يحال عليها من السياسات أو القرارات، وتنجز رقابة علمية وتقنية على القرارات التي تصدر عن القطاعات الوزارية، وتساعدها في ترشيد الإنفاق العام وحماية الصفقات العمومية من الفساد.

 .

حماية السياسة باستدعاء الذكاء

فمع كل ما يروج عن ضعف المنظومة التعليمية وهي كذلك، فإنها قد سمحت بتخريج عدد كبير من الكفاءات، بعضها أجبر على الهجرة القسرية، فاستقطب في كثير من معاهد البحث والتدريس الجامعي، ودور الدراسة عبر العالم، فيما أجبرت الثلة الباقية من الذكاء الوطني على النزوح داخل الوطن إلى الوظائف الإدارية أو إلى الاسترزاق في القطاع الخاص، أو هي مهمشة لا صوت لها.

وما لم نلتفت إلى هذه الثروة الوطنية من الذكاء والمعرفة والخبرة، ونفتح أمامها فرصا حقيقية للمشاركة في صناعة السياسات، وفي تشكيل ورعاية المشروع الوطني التنموي، وإخضاعه لخبرة متواصلة عبر مجالس استشارية علمية، بصلاحيات يحددها الدستور، وتجبر النخب الحاكمة بالعودة إليها، والاستهداء بذكائها، فإننا سوف نبقى معرضين للانتكاسات والنكبات التي تنتجها سياسات مبتذلة مرتجلة، لا تحترم العقل والمعرفة والذكاء الذي نراه في الدول المتطورة يحقق المعجزات، سواء في مناخ ديموقراطي صرف أو تحت نظم لم تقرع بعد أبواب الديموقراطية.

 

 

مقالات ذات صلة