دعوها فإنها مأمورة..
هي جملة قالها الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام لأصحابه عندما وصل المدينة المنورة فتسابقوا إليه، كل منهم يود أن يستضيفه في بيته ويشد ناقته إليه، فقال لهم “دعوها فإنها مأمورة”، وذلك الذي كان.
هي ذاتها العبارة التي نسمعها عن جزائر صيف 2012 عندما يتساءل الجميع عن وجهتها في ظل الغياب المريب للدولة ورجالها ومؤسساتها عن مسرح الأحداث، وفي ظل الفراغ والجمود الذي تشهده المؤسسات والحيرة السائدة في الأوساط الشعبية، وكذلك اختفاء المسؤولين المباشرين وغيابهم خوفا أو تغييبهم قصدا. ونحن نحتفل بالذكرى الخمسين لاسترجاع السيادة الوطنية التي كان من المفروض أن تكون مناسبة للتوبة والاعتذار من الشعب، وللتغيير والانتقال إلى مرحلة جديدة.. في ظل هذه الظروف سنسمع كثيرين يمنعوننا من التساؤل قائلين: دعوها فإنها مأمورة!.. ويضيفون أن الجزائر “محروسة” ولن يصيبها مكروه، وأنها تسير حتما إلى بر الأمان!
لكن الصحيح أننا لسنا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، والصحيح أن الجزائر ليست “ناقة” لنتركها تسرح أينما شاءت، والأصح أننا لا نبحث عن بيت نبوي فيها بل عن وطن يستحق الأفضل، والأصح أن من يرددون هذا الشعار النبوي هم بصراحة إحدى مجموعتين: إما شِلة من الفاشلين الذين لا يملكون مشروعا ولا فكرا ولا حلولا لهموم شعب وقضايا أمة ضحت كثيرا وصبرت وصابرت ولا تزال مؤمنة بقدراتها على تجاوز الصعاب، وإما مجموعة من البسطاء عميقي التفكير الذين يعانون ويعرفون أن الأوضاع المختلة لا تدوم طويلا، وأن الطبيعة تكره الفراغ، وأن هذا الفراغ الكبير الذي يحيط بنا سينتهي يوما برفض اغتيال الحلم والأمل في النفوس..
معنويات منحطة تلمسها في كل الأوساط هذه الأيام، في ظل أزمات الماء والكهرباء والغلاء وبرلمان منتخب دخل في عطلة قبل أن يبدأ العمل، وطاقم حكومي منقوص من عدد من وزرائه، فلا تم تعويضهم ولا تم إعلان تشكيل حكومي جديد، وفي ظل تغييب لدور المؤسسات والإدارات ووضع مخيف مريب ومؤسف محيّر، نتفرج عليه كلنا ولا يملك أحدنا الشجاعة لكي يرفع أصبعه ويقول كفى.. كفى!.. كفوا أيديكم عن الجزائر.. ومن لم يقدر على تحمل مسؤولياته فليعد إلى بيته..
الكل يشتكي من الوضع الراهن بما في ذلك الرئيس الذي اشتكى قلة حيلته إلى الشعب ذات يوم! والوزير الأول الذي اشتكى من المافيا التي تعطل إصلاحاته ومبادراته، وكذلك الوزراء والمديرون الذين يشكون “سرا” سلطة القرار التي لا يملكونها وصلاحياتهم المنزوعة، ويشكون الملل من بقائهم في مناصبهم لسنوات طويلة دون أن يتجرأ أحد منهم على الانسحاب بشرف وترك مكانه لغيره رغم الفشل الذريع لبعضهم !
وحتى المطبلين والمزمرين خفتت أصواتهم واختفوا عن الأنظار، وتعبوا من “الشيتة” والكذب على الناس وكأن ضمائرهم استفاقت.. أو ربما هم يستعدون لتَموقع جديد في جزائر ما بعد 2014.. تموقع يتبرؤون خلاله من مسؤولياتهم التاريخية عن وضع لا يسر حتى المسؤولين أنفسهم.
هكذا هو وضعنا في الجزائر، الكل يشتكي.. من الرئيس إلى الحرس البلدي، والبعض يتهرب من المسؤولية، والبعض الآخر خائف ينتظر ويترقب، ولا أحد يملك سلطة القرار وإحداث التغيير ولا الجرأة على تحريك الأمور. نريد أن نسلم أمرنا “للناقة” التي لم نعثر عليها ولم تبدأ السير بعد! وإن وُجدت وانطلقت فلن تقرر لوحدها أين تتوقف لأنها -على عكس الناقة النبوية- ستسير دون وحي ودون تخطيط أو توجيه، ودون رجال أكفاء ومؤسسات قوية، مما قد يؤدي إلى كوارث عظمى.. إنه العجز المطلق الذي يتشارك مسؤوليته الجميع، والحقيقة المفزعة التي تقول إننا نتجه إلى الهاوية، مع أن مصيرنا بأيدينا ولدينا كل المقومات التي تسمح لنا بتحقيق نهضة حضارية وفكرية واجتماعية واقتصادية لا مثيل لها، ولكننا نتردد ونخاف و و و.. !!!