-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

دفاعا عن الثورات العربية

عبد الرزاق مقري
  • 4491
  • 19
دفاعا عن الثورات العربية

اجتهدت كثيرا هذه الأيام في محاولة فهم حجج الذين يتحاملون على الثورات العربية، خصوصا ما يتعلق بالثورة الليبية وقناة الجزيرة القطرية، فلم أجد فيها سوى شبهات تلتقط هنا وهناك، وتركيز على أخطاء حتمية تقع في كل الثورات وانحرافات لا تخلو منها محاولات زعزعة عروش الطغاة، تُسوّق لنا ضمن شوفينية معهودة تبرمجها مخابر خفية لتغليف عقول السذج منا كلما تعرضت مصالح فئات متحكمة في مصائرنا للخطر.

  • يزعم المضادون للثورة في الوطن العربي بأن الانتفاضات الثورية العربية مجردة من الفكر والبرامج والقيادة، وهو لعمري ادعاء في غير محله، لو كان الأمر هكذا لقلنا بأن الثورة الجزائرية وكثيرا من الثورات التاريخية الأخرى كانت بلا فكر ولا قيادة، إذ بدأت بوجوه غير مألوفة ولم تُعرف نصوصُها إلا بعد اندلاعها وربما بعد انتصارها. لا يصح أن ننسى  بأن الثورة الجزائرية ما كان لها أن تكون لولا نضالات الحركة الوطنية من قبل وأنها حين اندلعت فاجأت الجزائريين قبل غيرهم ولم يلتحق عموم الشعب بها إلا بعد أن ثبَت مفجروها واستماتوا، بل ومن رموز الحركة الوطنية من تردد بشأنها أو انسحب أو انقلب ضدها. فالذي ينشئ الفكر ليس بالضرورة هو من ينفذه، والزمن الذي تنشأ فيه الفكرة ليس بالضرورة هو الزمن الذي تطبق فيه، كما أن المكان الذي يعلو فيه شأن الفكرة ليس حتما هو المكان الذي بزغت فيه. فالثورة تأتي طفرة في مسار التطور التاريخي كما يقول علماء التاريخ والسياسة والاجتماع الذين اهتموا بالثورات، أمثال ((سينموند نيومان)) و((كرين برينتون))، نتيجة ضغوط ومصاعب متزايدة يؤدي تفاعلها إلى تغيير أساسي في التنظيم السياسي والبنيان الاجتماعي والاقتصادي قد يفاجئ منظريها أنفسهم وأحيانا يتجاوزهم.  
  • يخطئ من يعتقد بأن الثورات العربية جاءت من فراغ أو أنها بفعل فاعل أجنبي مغرض متربص بأوطاننا، من يعتقد ذلك يلغي عقودا من الزمن ضحى فيها مفكرون ودعاة وعلماء وسياسيون وحقوقيون من أجل التغيير والإصلاح وأصاب كثيرا منهم في سبيل ذلك ما أصابهم من القتل والتشريد والتضييق والتزييف والتزوير والتغييب. لقد أسس هؤلاء صحوة شعبية عامة لم تصبح ملكا لأحد بل لم يصبح لها- لامتدادها وتشعبها- لون سياسي معلوم، فهي لا تقوم اليوم إلا على الأسس العامة التي يجتمع عليها مؤسسوها بمختلف اتجاهاتهم كالحرية والعدالة وكرامة العيش والهوية وقضايا الأمة وعلى رأسها فلسطين.
  • كم أعجبني استدلال شاب قام يدافع عن رأيه في صفحات الفايس بوك مشيدا بأهمية الثورة لانعتاق الأمة فراح يذكرنا بعبارة صاغها الشيخ محمد الغزالي- رحمه الله- قائلا: “إن زوال إسرائيل قد يسبقه زوال أنظمة عربية عاشت تضحك على شعوبها.. إنه لا شيء ينال من مناعة البلاد، وينتقص من قدرتها على المقاومة الرائعة، كفساد النفوس والأوضاع، وضياع مظاهر العدالة، واختلال موازين الاقتصاد، وانقسام الشعب إلى طوائف، أكثرُها مُضيّع منهوك، وأقلها يمرح في نعيم الملوك”. بمثل هذه العبارات والأفكار لهذا الشيخ وذاك، ولهذا المفكر وذاك، وهذا الداعية وذاك، تجرأ الشباب على الحكام الظلمة الفاسدين، لم يكن ينقصهم للتواصل بينهم وتأطير أنفسهم في غياب الوسائط الاجتماعية الفاعلة من أحزاب وجمعيات سوى وسائل اتصال غير متحكم فيها من قِبل الحكام فلمّا توفرت حدث الذي حدث.
  • ليعلم هؤلاء المشككون في الثورات العربية الجارية بأننا نعيش صيرورة تاريخية انطلقت  لتستمر حتى تحدث التغيير في الوطن العربي كله دون استثناء، قد يطول مداها وتطورها فيتجاوز عقدا أو أكثر من الزمن، قد تظهر فيها انحرافات ونتوءات، قد تتسبب في آلام وتسيل فيها دماء ودموع، ولكنها ستفرض نفسها وتؤتي ثمارها لصالح الأمة. إنها صيرورة تاريخية يعرفها كل دارس للعلوم الاجتماعية، تلتقي مع حتمية نصية يَخبرُها المطّلعون على النصوص الشرعية. مضى على الأمة الإسلامية قرن من الزمن وهي تكافح لنيل استقلالها وتحقيق نهضتها منذ حركات الإصلاح والتجديد في بداية القرن الماضي، وقد اجتمعت لها الآن كثير من العناصر المؤهلة لذلك تجلّت بجلاء في تركيا وماليزيا اللتين ليست لهما مقدرات الأمة العربية ولكنهما فاقتاها حين توفرت فيهما الحرية وحباهما الله بحكام صالحين أمثال مهاتير وأردوغان. ولئن كان لقناة الجزيرة من فضل مع ما فيها من سلبيات لا تخلو منها تجربة بشرية فهي فضح هؤلاء الحكام العرب الذين رغم فشلهم في تحقيق التنمية وفسادهم الذي بلغ عنان السماء لم ينفع في زعزعتهم كل وسائل التغيير التقليدية من انتخابات زوروها ومظاهرات قمعوها ومواجهات عَنَفيّة استعملوها حتى إذا وجدت الشعوب طرائق سلمية جديدة فاعلة لتحرير نفسها اتهموها بالعمالة للخارج.       
  • من غرائب الأمور حقا أن تتهم الأنظمةُ العربية شعوبَها بالعمالة للخارج وقد شرب أسوء هذه الأنظمة من كأس العمالة إلى الثمالة ومكّن أحسنُها لثقافة الغرب وطوابيره ومصالحه وأذياله في أوطاننا بلا هوادة. لا يفرح غيور على هذه الأمة بتدخل الحلف الأطلسي في ليبيا ولا شك، ولا يَقدرُ عربيٌّ مسلمٌ حر أن يضرب صفحا عن المخاطر التي يمثلها هذا التدخل، ولكن قبل ذلك من المسؤول عن هذه الحال؟ أليس هو إجرام القذافي؟ أليس هو عجز الأنظمة العربية؟ أليس هو غياب دول الجوار؟ هل يُلام من يُسفكُ دمُه ويُنتهكُ عرضُه إذا تعامل مع من يدفع عنه مهما كانت مقاصده ونواياه؟ ثم إنه والله لأبله من الحبارى ذلك الذي يعتقد بأن الغرب الذي تعصف به الأزمات الاقتصادية وانقطاع السيولة سيُضيّع فرصة النفوذ إذا أتيحت له  في بلد وافر الثروة، قليل السكان، قريب الجوار.
  •  ثم لا بد من طرح سؤال صريح واضح على النظام الجزائري بالذات: هل تقليل مخاطر النفوذ الفرنسي الغربي في ليبيا وتسلل المشبوهين وعملاء الصهيونية فيها وانتشار وجود القاعدة وشبكات التطرف يكون بحسن العلاقة مع الحكام الجدد في هذا البلد ودعم الخلص منهم لوطنهم وأمتهم أم بالتصرفات المريبة التي تُسمم العلاقة بين الأشقاء وتُضيّع المصالح وتمكن للأجنبي؟ ثم من هو الأقرب إلى الجزائر؟ أهو القذافي وعائلته؟ أليس هو من تآمر على الوطن سنين طويلة؟
  • إن الساسة الذين ينجحون هم الذين يتصفون بالمرونة والقدرة على التكيف بما يضمن مصالح وأمن بلدانهم، ألا فلينظر المُتزمّتون عندنا كيف استطاع النظام التركي أن يطور موقفه تجاه الثورة الليبية، وكيف تجاوز النظام المصري مخاوفه الأولى من الوضع في جواره الغربي، فسارع كلاهما لمد الجسور مع الثورة المنتصرة خدمة للمبادئ و/أو سعيا للمصالح. لا بد للنظام الجزائري أن يتعامل مع الواقع كما هو، ولا بد أن يساعد على استقرار ليبيا لمصلحة الجميع، وأن يمد يده لليبيين الأصلاء، لا بد أن يفهم بأن الحضور القوي للتيار الإسلامي في الثورة الليبية ملمح شعبي قبل كل شيء وهو فرصة للجزائر وليس تهديدا لها، وأن حماية مصالح الجزائر تكون بالحضور القوي والإيجابي في تحولات الجوار لا الغياب عنها بحجة حياد لا يقنع أحدا، يتنافى كلية مع مفهوم العمق الاستراتيجي للدول. لا بد أن يفهم بـأن التترس وراء القوة المالية الريعية لن ينفع طويلا، وأن أمن الجزائر لا يكون إلا بتماسكها وصلابتها الداخلية التي لا بناء لها سوى إصلاحات جادة تفضي لتغيير سلمي حقيقي في موازين القوة السياسية تفتح آفاق الأمل لجزائر بلا فساد جزائر أصيلة قوية نامية متطورة حرة وعادلة.
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
19
  • شادي المصري

    سلمت يا دكتور مقري

    بارك الله فيك

    واكثر من امثالك

    تحليل هادئ عاقل متزن

    حفظ الله بلادنا العربية ووحد جهدنا و وقلوبنا لننتصر على أعدائنا في الخارج ونهزم حمقى وسفهاء وبلطجية الداخل

    والله أكبر

    وعاشت مصر والجزائر

    اهم قطبين في الشمال الافريقي

  • عبد المنعم

    إن النظام يريد ربح الوقت لا أكثر ولا أقل ولهذا يستعمل هاته الأوراق التي أظهرتها يا دكتور... فوجب عليه الإصلاح الفعلي مادام هناك وقت..مقال مهم جدا وفي الوقت المناسب ..
    شكرا لك يا دكتور.

  • abounabila

    1ـالشعوب العربية قد نضجت بما فيه كفاية وصارت هي التي تقود حكامها،وأرى أن الذين يستعجلون الإعتراف بهذه الهيئة أو تلك هم أناس مصابون بقصر النظر.
    2ـأرى أن الثورتين المصرية والتونسية قد فلتتا نوعا ما من السيطرة الأجنبية,
    ومصير هتين الثورتين صار بين يدي شعبيهما.
    3ـ تحرير ليبيا من التدخل الأجنبي هو ضرورة ملحة الآن بتضافر جهود كل
    الليبيين دون إستثناء.كيف؟ لا أظنها تغيب على أبناء وأحفاد عمر المختار.

  • ابو حمزة

    الى السيد الدكتور صاحب مقولة " سترون عجب العجاب " أتذكر؟
    الاولى أن تكلمنا عن البيت الحمسي التحالفي الواقف حجر عثر أمام اية معارضة
    حقيقية و دعك من الحديث عن الثورات العربية و الاسطول الغزاوي
    حينما اكتونا بنار الارهاب كانت الجزائر لوحدها و الكل يتمتم و يتفرج و يترصد
    الخوف كل الخوف من بني جلدتنا : يجمعون أنفسهم و يقسمون الغنيمة و يطرحون الحل الاسلامي + / - و النتيجة عجب عجاب .

  • مازوني زيد

    صدقت و الله يا دكتور و كانك تعلم ما في قلوبنا من غيض تجاه هؤلاء المشككون الدين مازالو لم يثقو في قدرة الشعوب في التغيير نسأل الله لهم الهداية و أن يعلمو أن الظلم له نهايته. بارك الله فيك استادنا

  • سلاف

    لا فض الله فاك يادكتور لسان حالك ينطق بلسان كل عربي حر كريم .

  • يحيى

    كلام من فم حكيم دوعقل رسين وفكر متين.

  • 123

    وعلاش اليوم برك عجباتك الثورات ولا حاب تركب ..اركب....
    معجباتكش الدابة نتاعنا وعلاش متعنكش فى ذيلها
    مع احترمى لك كشخص فاننى انصحك تصفح النترنيت انهم خططو لهذا من قبل وو الله انت اعلم منى فى هذه المسالة لكن السياسة تفرض امور جديدة لا بد من مسايرتها
    انصحك ان تكتب فى الانترنيت برنارد ليفى ابحث فى الموضوع
    والله لما شفت امور فى الانترنيت عجب كيف تم توظيف كل هذه الجماهير مثلما يستغلون القاعدة
    واذ كان لازمنا ثورة فى الجزائر لازم نبداو بيكم ..وين كنتو ..واش درتو .
    الشعب يريد اسقاط الاحزاب

  • H.Boubakar

    تنظير عاطفي يستولي علي القلوب ويكبل العقولغ غير واقعي.لو كان مقري وزير الخارجية ما كان له أن يتصرف بأكثر مما فعل مدلسي.وماهو بأذكي ولا أخلص للجزائر من بوتفليقة.

  • a.h

    جزاك الله كل خير على هذا المقال فقد جاء فيه الكثير من الصواب على الأقل من وجهة نظري

  • maziz

    اذا كان مايجري في ليبيا ثورة عربية اسلامية فماذاتنتضرون ان تقوم بها في بلدكم انما مايجري في شمال افريقيا هي ثورة سراكوزية بترولية ياعالم بدون علم

  • بدون اسم

    شكرا لك يادكتور ،

  • د/ يوسف عبد اللاوي

    لكأنك نطقت بما لو كتبناه لتطابقت فيه الأحرف والكلمات فضلا عن المعاني، المنطق والواقع والتاريخ يؤيد هذا التحليل العميق والفهم الدقيق وكم وددنا لو أن حكومتنا جست نبض شارعها وتحسست آراء نخبها وتلمست مواقف أحزابها وجمعياتها الفاعلة ثم فكرت وقدرت وحكمت المبادئ مع المصالح لاهتدت لغير ما أوقعتنا فيه من حرج شديد مع أنفسنا ومع إخواننا في ليبيا وفي سائر البلاد العربية التي تشهد تحولات عميقة، الاعتراف بالخطإ فضيلة، والأفضل من ذلك الاستيعاب الواعي لدروس الواقع والتاريخ

  • العربي

    شكر الله لك استاذنا الفاضل على هذا التحليل .

  • قاسمي

    شكرا لك دكتور على التحليل الدقيق الناتج عن الفهم العميق

  • عبد المجيد سعدون

    تحليل موفق يا استاذ...بارك الله فيك

  • abdou

    شكرا لك دكتور مقري على هذا المقال الذي لخص كثيرا من القضايا وشكرا للشروق على تفضلها بنشره

  • مسعود

    شكرا على المقال الرائع

  • محمد

    كل التحية للدكتور على مقاله فقد عبر على ما في قلوبنا احسن تعبير .