-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الأمازيغي المجاهد حامل لواء العربية

دمعة على وطار

الشروق أونلاين
  • 1713
  • 0
دمعة على وطار

أخي وطار.. كنت أرغب أن أقول لك عمي الطاهر، لأنك تحب هذا النداء، غير أني أكبر منك سنا، فعذرا أخي الطاهر عرفتك في معهد ابن باديس، التحقت أنا بالمعهد سنة 50 والتحقت أنت 1952 ، من القرن الماضي، الفارق بيننا سنتان، غير أننا تعارفنا، ربما لأنك نابغة وفارس من فرسان العربية، وأنت صغير السن، ومن يكون في مثل صفاتك، يكثر عنه الحديث ليعرفه القريب والبعيد، في ذاك الزمن الذي يبحث فيه الناس عن أمثالك، بكثير من الود والحب والشوق.

أخي الطاهر لقد افترقنا في نهاية السنة الدراسية 54 ، ولم نلتق إلا وشمس الحرية تسطع على بلادنا..الله، الله..يا طاهر ما أجمل تلك الأيام التي التقينا فيها، على حب الوطن والتفاني في خدمته من أجل رقيه وسعادته، تقديرا لتضحيات الشهداء والمجاهدين كي لا تذهب  سدى. 

 أخي الطاهر..

المهم في لقاءاتنا في بداية فجر الحرية 1962، أنك كنت لي نعم السند، في بداية مشواري العملي، ولم تكن عندي مجرد كاتب وطني ملتزم، أو مجرد مبدع، من الذين كانوا في ذلك الوقت مثل الشموع التي كانت تحترق في دهاليز الاستعمار، بل كنت لي أكثر من أخ شقيق إن صوتك عندي محبّب، لقد كنت أستمع إليك كثيرا، وقد كنت أرتاح لآرائك، غير أن حكاياتك عن اللاز كانت لا تعجبني، عنوانا لأجمل ما سمعت من تلك الحكايات الرائعة التي تبدأها من شارع الشهداء إلى مقهى طانطان فيل، في بور سعيد مشيا على الأقدام، وهو مكان لقاء الكثيرين في ذلك الوقت، لأن كلمة اللاز عندنا، كما قلت لك تطلق على الشخص البشع الخلق والسيئ الأخلاق.

وإذا ذكر في مجلس من المجالس، يقال خلينا من ذاك اللاز. فتقول لي ذاك ما كنت أبغي، واليوم اللاز بالآلاف من الذين يعتدون على الأصول، لا بالسب والضرب فقط، ولكن بالقتل في كثير من الأحيان. فلاز وطار هذبت أخلاقه مدرسة الثورة، كما قلت، بل هذبت أخلاق الكثيرين، فمن للاز اليوم بعد الثورة، يا وطار؟

أخي الطاهر..   

 لقد انقطعت عن التواصل معك، لا لشيء إلا لأنني انشغلت ببعض همومي، وكم كنت سعيدا حينما سمعت بأنك على رأس الإذاعة الوطنية التي وجدتك فيها منهمكا في تعليم الكاتبة الإعلام الآلي، وأنت أول من أدخل الحاسوب إلى الإذاعة، حينما زرتك للتهنئة، وتوالت بعد ذلك إصلاحاتك، ابتداء من تهيئة الفضاء المهمل، أمام مسرح الإذاعة، وصنعت منه مكانا جميلا وأثثته بأفخر الأثاث، وأطلقت عليه اسم: نادي عسى مسعودي، وهو اليوم مستغل في كثير من النشاطات، هذا المكان الذي خاطب فيه عيسى مسعودي لأول مرة بعد الاستقلال مباشرة جموع العاملين والعاملات الذين وجدناهم في الإذاعة، وذلك على خلفية تحريرها، وواصلت بعد ذلك نهجك الواضح والسليم، فأنشأت أول قناة إذاعية للقرآن الكريم، وأنشأت قنوات أخرى، وصفيت كثيرا من الملفات العالقة القابعة في الأدراج، ومنها ملف تقاعدي أنا، وكأن العناية الإلهية قد أرسلتك، لتعطي كل ذي حق حقه، هذا شيء من عدلك وعطفك وكرمك، رحمك الله وطيب ثراك أيها الغائب الكبير، “إنا لله وإنا إليه راجعون”.  

حينما زرته في الجاحظية، وهو مريض أشد المرض، بحيث كان لا يقوى حتى على الجلوس، بعد التحية والسؤال عن صحته، بادرني، سمعت أن حمدادو يسمع كلامك، ادعه لإلقاء محاضرة في الجاحظية، عن الباخرة “أطوس” لأننا اتصلنا به مرارا، ولم يجب، هكذا قال، فقلت له لا محال هذا محال، وأضاف “كثر الذين استغلوا تاريخ ثورتنا من الذين يصطادون في الماء العكر، و صانعو الحدث على قيد الحياة” فقدمت له الهادي في الهاتف، فدعاه إلى إلقاء المحاضرة فوافق، فقلت له الهادي سآتيك يوم 02 ديسمبر، وهو موعد المحاضرة، لأحملك بسيارتي إلى الجاحظية، وفعلا كان كذلك، ليصحح ادعاء أحد المصريين: الذي ادعى أنه كوّن فريقا وحرّر سجناء القرصنة الفرنسية، فألقى الهادي المحاضرة، فتكلمت الإذاعة وكتبت الصحافة، فارتاح الأخ الكبير وطار لهذا الإنجاز، وتهلل وجهه وكأنه أزاح عن كاهله عبئا ثقيلا، وآلام المرض تعصر قلبه، هذا هو وطار طوال حياته، حريص على سمعة الجزائر وتاريخ ثورتها، حتى وهو في النفس الأخير من حياته.

لما اشتد عليه المرض نقل إلى العلاج في فرنسا بكفالة الدولة الجزائرية، فعزمت على زيارته، لأطمئن على صحته، فوجدته خارج المستشفى، في فندق مقسم إلى حجرات بكل منافعها، وكان بصدد تحضير غدائه بنفسه، ولم أنس تلك اللحظات التي قضيتها معه، ولم أسمع منه شيئا عن آلامه، إلا أنه قال: “إنهم يحاصرون المرض”، وقبل انصرافي حملني رسالة مستعجلة إلى زوجته، فأوصلت الرسالة، فسألتني عن صحته فطمأنتها، حسب الحالة المعنوية التي وجدته عليها.

ولم أدر أن تلك اللحظات كانت الأخيرة، وأنها الوداع الأخير، فرحمك الله أيها الفارس الشجاع.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!