الرأي

دمعة فرنسية على كيليا نمور

لم تمر البطولة العالمية للجمباز، التي اختتمت في هولندا، من دون أن تترك أثرها على القائمين على الرياضة والجمباز في فرنسا، فالصبيّة التي كانت بالأزرق والأبيض والأحمر في صباها، عندما كانت تبني مجدها بصبرها وتفانيها، صارت جزائرية، ولا تعترف إلا بلون الذهب الخالص، لتقدمه للأخضر والأبيض والأحمر.

صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية، بمجرد أن ظهرت أرقام الجمبازية الجزائرية التي تمنحها الذهب، حتى عنونت صفحتها الإلكترونية بجملة واحدة: “فرنسا في المركز الرابع والجزائرية كيليا مرصَّعة بالذهب”.

الجميل، أن المواقع الفرنسية تابعت مسار ابنة الجزائر في هولندا، وكانت تقارنه بخيبات المنتخب الفرنسي، الذي ضمَّ إناثا وشبابا لم يستطع أيٌّ منهم انتزاع ولو ميدالية برونزية، فكانت الخيبة بالنسبة إليهم خيبتين، بل خيبات مركَّبة، بين دمعة على كيليا، وأخرى على طريقة تعامل فرنسا مع مزدوجي الجنسية وخاصة من الذين لهم أصول جزائرية مثل الصغيرة كيليا.

في ألعاب البحر المتوسط التي جرت في الجزائر سنة 1975 وفاز بذهبية رياضة كرة القدم، المنتخبُ الجزائري على نظيره الفرنسي، في آخر يوم من الألعاب، في نهائي حضره الرئيس هواري بومدين، لم يستحسن رئيس الوفد الفرنسي الفرحة الهستيرية للجزائريين بعد تتويجهم بالذهب، ولم يمرّ حينها عن استقلال الجزائر سوى 13 سنة، فنبّه الجزائريين إلى أن فرنسا قوية وبطلة في الرياضات الفنية التي تعني- بحسبه- الأناقة والجمال، وذكر رياضتي الغطس والجمباز!

لم يكن الجمباز قطّ رياضة تتفوق فيها فرنسا أمام جبروت الصين وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية، ولكنها مع ذلك ارتضت لنفسها أن تكون “أرنب سباق”، يمكن استعمالها ويُمنع تتويجها، تماما كما في السياسة والاقتصاد.

الآن، وقد مرّ أزيد عن نصف قرن عن فخر فرنسا بذهبها المتوسطي في الجمباز، وعن فرحة الجزائريين حينها بذهب رياضات الفقراء من عدوٍ وملاكمة وكرة قدم، آن لنا أن نتمعن جيدا في جدول الميداليات في بطولة العالم في الجمباز، إذ شاركت فرنسا باثني عشر رياضيّا ورياضية، وأنهت المنافسة بصفر ميدالية من كل المعادن، وأحرزت كيليا نمور وحدها ذهبيتين.

المؤسف أكثر، ليس في دمعة الفرنسيين وحسرتهم على ابنتنا، التي ظنوا أنها “ابنتهم” فضاعت منهم، وإنما في بعض منّا، من الذين لم يُثمِّنوا ما هي بصدد تحقيقه هذه البطلة، للجزائر، فهي بصدد تحقيق ما لم يحققه أي رياضي أو رياضية في تاريخ الجزائر، ولم يعيروه أي تقدير.

وبعيدا عن كونها أجبرت العالم والباريسيين في الألعاب الأولمبية السابقة، على أن يقفوا تحية للعلم الجزائري، واستماعا لنشيد “قسما ويا فرنسا قد مضى وقت العتاب”، وتحوّلها إلى بطلة عالمية وحائزة كأس العالم، ومحطمة لأرقام التنقيط في اختصاصات تقنية ومعقدة في عالم الجمباز، فهي فوق ذلك، تُشرِب الفرنسيين، في كل بطولة ومع كل ميدالية من الحسرات والندم، الذي شرّبوه شعوبا وأمما حد الثمالة.

مقالات ذات صلة