الرأي

دموع تماسيح المعممين على حجارة الأولين

حبيب راشدين
  • 3638
  • 0

بينما كانت دولة طالبان البدائية الفقيرة محاصرة‮ ‬يقاطعها الجميع،‮ ‬تدير دولة من قرابة‮ ‬30‮ ‬مليون نسمة بميزانية لا تزيد عن‮ ‬80‭ ‬مليون دولار،‮ ‬وأرادت أن تلفت أنظار الأشقاء من المسلمين بتوجيه فؤوس الهدم للتماثيل البوذية،‮ ‬قامت القائمة،‮ ‬وتحركت اليونيسكو لشجب‮ “‬همجية‮” ‬طالبان و”ظلاميتها‮”‬،‮ ‬تستحلب سخط العالم ضد دولة طالبان الناشئة عن حرب مدمرة مع امبراطورية الشر السوفييتية‮.‬

لكن الذي‮ ‬صدم وقتها كثيرا من المسلمين،‮ ‬خروج‮  ‬تنظيم علماء المسلمين عن صمته،‮ ‬بتشكيل وفد من كبار مشايخه‮ ‬يريد‮ ‬‭”‬الشفاعة‮” ‬لتمثالي‮ ‬بودة،‮ ‬وهو الذي‮ ‬سكت أمام حالات إبادة لا تحصى تعرض لها المسلمون في‮ ‬مواطن كثيرة،‮ ‬ولم‮ ‬يحرك ساكنا في‮ ‬اتجاه تحريض أكثر من مليار مسلم على دعم ومساعدة أشقائهم الأفغان في‮ ‬تدبير القوت اليومي‮.‬

الحالة تكررت مرة أخرى هذه الأيام،‮ ‬بعد سيطرة قوات‮ “‬داعش‮” ‬على مدينة تدمر السورية الأثرية،‮ ‬بخروج مديرة اليونيسكو عن الصمت،‮ ‬ومحاولة استنهاض همة المجموعة الدولية لإنقاذ الآثار السورية في‮ ‬تدمر،‮ ‬وهي‮ ‬التي‮ ‬لم تقل كلمة واحدة حين كان المحتل الأمريكي‮ ‬يستبيح متاحف العراق،‮ ‬وينهب آثاره على نطاق صناعي،‮ ‬ولم تحرك المنظمة من أجل إعادة آثار الحضارات العريقة التي‮ ‬نهبها الغرب بالجملة زمن الاستعمار‮. ‬

‭ ‬ومرة أخرى‮ ‬يصعب على المسلم،‮ ‬المصدوم‮ ‬يوميا بصور الدمار والقتل المنهجي‮ ‬للمسلمين في‮ ‬كل مكان من المعمورة،‮ ‬أن‮ ‬يتفهم أو‮ ‬يستسيغ‮ ‬خروج مؤسسة الأزهر الشريف عن الصمت،‮ ‬لتشجب بقوة وحزم جريمة لم تكن قد حصلت بعد في‮ ‬تدمر وقد لا تحصل،‮ ‬فيما تسكت عن القتل المتواصل للمواطن المصري‮ ‬في‮ ‬رمال سيناء،‮ ‬أو في‮ ‬طوابير الإعدام بالجملة التي‮ ‬يصدرها اليوم القضاء المصري،‮ ‬ويزكيها مفتي‮ ‬الجمهورية‮.‬

وعلى ما‮ ‬يبدو،‮ ‬فإن المسلمين لم‮ ‬يبتلوا فقط بنخب سياسية تتعاطى كل أنواع الجرائم المنظمة بأدوات الدولة،‮ ‬ولا بنخب فكرية ثقافية وإعلامية تحولت إلى أدوات مستأجرة لهدم كيانات المسلمين ووجدانهم،‮ ‬بل قد سبقهم إلى هذا المنكر الطائفة البارزة‮ ‬‭”‬المرئية‮” ‬من نخبهم الروحية والدينية،‮ ‬حتى إن أعظم مرجع للمسلمين من شيعة العراق،‮ ‬رأيناه‮ ‬يجتهد طوال سنوات الغزو الأمريكي‮ ‬ثم الاحتلال لتثبيط العراقيين الشيعة عن مقاومة المحتل،‮ ‬لكنه لم‮ ‬يتردد لحظة واحدة في‮ ‬إعلان النفير العام وتحشيد الشيعة للجهاد ضد‮ “‬الدولة الإسلامية‮” ‬ومثله فعل مشايخ الحرمين الشريفين،‮ ‬الساكتون منذ عقود عن جرائم الكيان الصهيوني،‮ ‬فيما سارعوا إلى استنهاض الهمم لدعم‮ “‬عاصفة الحزم‮” ‬ضد الحوثيين،‮ ‬ولن‮ ‬يمنع الخراب الطائفي‮ ‬والمذهبي‮ ‬المتصاعد أن تتوحد‮ ‬غدا كلمة مراجع السنة،‮ ‬والشيعة،‮ ‬والزيدية،‮ ‬والدروز،‮ ‬والنصيرين،‮ ‬لشجب جريمة تدمير آثار‮. ‬

أخشى على هذه الطائفة المتخفية تحت عمائم كاذبة،‮ ‬أن‮ ‬يفاجئها تنظيم‮ “‬داعش‮” ‬ـ إن كان‮ ‬يملك ذرة من المكر السياسي‮ ‬ـ بتنظيم‮ ‬‭”‬رحلة اطمئنان وشفاعة‮” ‬على أحجار الأولين،‮ ‬للمخلفة من عمائم الطوائف أجمعين،‮ ‬ثم‮ ‬يفتح ممرا آمنا لحكومة دمشق تستكمل عملية ترحيل أعمدة تدمر،‮ ‬كما حرصت على ترحيل ما خفي‮ ‬من تماثيلها قبل الانسحاب،‮ ‬وتركت أهل تدمر لمصيرهم المجهول‮.‬

مقالات ذات صلة