الرأي

دموع في حفلة!

المشهد السياسي في الجزائر، على بُعد ثلاثة أشهر من الانتخابات التشريعية، لا يرقى حتى إلى الصور الكاريكاتورية التي يتفضل بها بعض رسامي الصحف في الجزائر، والذي يقول بأن الكفاءة والنزاهة هي آخر المعايير أو الاهتمامات بالنسبة إلى الأحزاب الكبيرة فما بالك بالصغيرة، لم يقدم سبقا إعلاميا أو خبرا سياسيا عاديا، لأن الجميع انتقل إلى الجهر بهذا المسعى، نحو الحصول على منصب تشريفي يجرّد صاحبه نهائيا، من أي تكليف مع سبق الإصرار والترصّد، من صاحب المنصب ومن الحزب المُشرف عليه، وبتورط صريح ومباشر من الدولة ومن الشعب، وعندما يفوق عدد المترشحين التابعين لحزب جبهة التحرير الوطني الطامحين في مقعد برلماني، ستة آلاف في النفس الأول، لإيداع الترشيحات، فإن الأمر يعني أن الجائزة المخصّصة للمتنافسين مهمة جدا، ولا تتوقف عند مرتب ومِنح الأربعين مليون سنتيم والامتيازات والحصانة، وإنما من أجل التحول إلى بيدق ضمن رقعة الفساد، الذي لا يعني بالضرورة الاختلاس والمحاباة واستغلال العشائرية والنفوذ، وإنما بتقلّد منصب مرموق حيوي وحاسم، من دون تقديم أي حيوية أو رقي أو حسم.

لا يمكن لوم المواطنين، وهم يعزفون عن هذه النشاطات السياسية على قلّتها، وسيعزفون عن المشاركة في الانتخابات التشريعية القادمة، بسبب الأداء الهزيل للطبقة السياسية، التي كلّما اقترب موعد انتخابي إلا وحوّلت الجسر المقطوع بينها وبين القاعدة إلى أطلال، ودفنت ما بقي من حجارته، حيث يزداد تخندق قادة الأحزاب رفقة الوزراء والبرلمانين، الذين حوّلوا مبنى زيغود يوسف إلى إقامة دائمة لهم، ولا يفكرون في مغادرته أبدا، مع ضمّ بين الحين والآخر شخصية جديدة من أصحاب النفوذ والمال، ليغلقوا “الدومينو” كما بقيت عليه الحال، منذ أن ارتأت الجزائر إنشاء مجلس شعبي وطني، فقد بعضا من وطنيته، والكثير وربما كل شعبيته، وبقي أشبه ببئر بترول، يغترف منه بعض الناس، مستفيدين من مزاياه وسلطته وحصانته، وبعدهم الطوفان.

لقد عانت الجزائر خلال السنوات الخمس الأخيرة، من عدد من الظواهر السلبية وحتى المصائب والمكائد الداخلية والخارجية، ومع ذلك بقي من سموّا أنفسهم بنواب الشعب، بعيدين عن الشعب، وكانوا بـ”امتياز”،”أسياد” الكرسي الشاغر، وليت الأمر توقف عند الشأن الدولي والوطني، بل تعداه إلى الشأن المحلي، حتى إن مواطنين عانوا من الثلوج ومن الفيضانات ومن الجفاف، وآخرين من جرائم الاختطاف وحروب العصابات، لم يتلقوا ولو دعما معنويا من الذين حصلوا على الحصانة ومرتب الأربعين مليونا من أصوات الناس، من دون أن يقدموا جهدا بدنيا أو فكريا. وعندما يشاهد المواطن نفس الوجوه، التي تحرّك القِدر السياسي، ونفس الخطاب الذي يكاد يكون “كوبيي كولي” لخطابات سابقة، ونفس الأداء السُلطوي المعجون باللامبالاة، فإنه سيكون مجنونا، لو صدّق يوما ما، ما يُقال له من أن الأمر سيتغيّر، وأن الذين سموا أنفسهم نوابا للشعب، سينوبون عن الشعب فعلا.

مقالات ذات صلة