الجزائر
يوم سار الوطن خلف رجل جسد أخلاق الثورة وقيم الدولة

دموع وزغاريد في تشييع الرئيس زروال إلى مرقده بجوار والده

الطاهر حليسي
  • 821
  • 0
ح.م

كان من عادة الرئيس اليامين زروال أن يُحيّي المارّة قرب منزله الكائن بحي بوزوران، لكن صبيحة الثلاثين من شهر مارس 2026، اصطفّ عدد غفير من الناس لتحيته للمرة الأخيرة.
يقول عمي صالح، على شفير الحزن والبكاء، لـ”لشروق”: “كنت التقيه في كل صباح يخرج فيه، فيلوّح لي بيده مبتسمًا، هاشًّا باشًّا، وفي مرات كان يذهب شخصيًا لشراء اللبن من بقالة مجاورة، لذلك لم نشعر يومًا أنه رئيس جمهورية، بل جار طيب، منا وفينا”.
أما الحاج بوزغاية فيضيف: “لم يحدث في يوم من الأيام أن اشتكينا من شيء، كان يهنئنا في أفراحنا، ويواسينا في أتراحنا، ويسأل عنا، ويوصي حراسه الخاصين الذين داوموه طوال عقود، أي منذ اختياره الاستقرار النهائي في بيته الذي بناه بعرق جبينه”.
قد لا يعلم كثيرون أن الجنرال ورئيس الجمهورية الأسبق اليامين زروال اقتنى قطعة أرض في حي إقامي شعبي، ومَوَّل بناءها عن طريق قرض بنكي، مثله مثل بقية جيرانه.
بعضهم جاء ربما ليحفظ النظرة الأخيرة لرجل متواضع مع الجميع، صارم مع المقربين إذا ما تجاوزوا الخطوط القانونية الحمراء، فقبل أسابيع فقط أعاد الرجل حق فتاة معوقة كانت ضحية تعسف، أنهَاه بصرامة وأبوّة كبيرة.

دموع تحت المطر
ورغم المناخ القاسي، بفعل نتف الثلج التي تساقطت طيلة ليلة الأحد إلى الإثنين، التحق عدد من المواطنين لحضور وصول جثمان الرئيس الراحل إلى مقر سكناه. كان الجيران يلتقطون الصور الأخيرة من نوافذ العمارات المقابلة، فيما رافق الجثمان، الذي حُمل من طرف أفراد الجيش إلى باحة المنزل، ليحظى باللحظة الأخيرة مع أفراد عائلته وأقاربه. ابناه عبد الكريم وعبد المؤمن، اللذان بدت عليهما علامات الحزن، قبل أن يُحرّك عبد الكريم، شبيه والده، رأسه شكرًا لعدد من المصطفين على قارعة الطريق، متحدّين زخات المطر الخفيف، على أمل أن يتحسن الجو للسير في جنازة الرجل، لكن تعديلات طارئة اضطرت القائمين إلى تغيير مسار الجنازة، التي كان مقررًا أن تنطلق من مسجد أول نوفمبر، ليتم تحويلها من مقر ولاية باتنة نحو مقبرة بوزوران، قصد السماح للحشود الجماهيرية بإلقاء النظرة الأخيرة عليه بأريحية وفي متسع من الوقت والمكان.

التوافد فجرا
ومنذ الثالثة صباحًا، حسب ما أورده أحد رجال الشرطة، بدأ مواطنون يفدون من مناطق متفرقة من البلاد. ولهذا الغرض، نصبت مصالح التشريفات الأمنية سواتر حديدية من ساحة الشهداء إلى دار الثقافة بباتنة، ومن مقر الولاية إلى مقبرة بوزوران، على مسافة تتجاوز 6 كيلومترات، يشرف على تأمينها مئات من رجال الشرطة الذين ارتدوا واقيات مطرية بيضاء، مع فتح معبر وحيد لمرور الراغبين في قراءة فاتحة الكتاب على فقيد الجزائر.
في قلب الساحة المقابلة لمقر الولاية، حيث وُضع الجثمان في باحته الكبرى، غير بعيد عن بقايا طائرة حربية تُعدّ من شواهد معارك جيش التحرير بالأوراس، وقف عدد من أفراد الأسرة الثورية يرقبون مواكب المواطنين. ويقول أحدهم، وهو يذرف الدموع: “رحم الله فقيد الجزائر، الذي ترك مقاعد الدراسة وعمره لا يتعدى 17 سنة. جنده الكومندان موسى حليس، ونقله إلى منطقة كوندورسي، قبل أن يحوّله إلى حيدوسة، حيث أُصيب بكسر طفيف. لقد جاء ومعه عربون وفاء بصكّين من مليوني فرنك هدية للثورة، سرقهما من مشغّله اليهودي سوفران علوش، قبل أن يُنتدب لإكمال دراسته العسكرية ويصبح إطارًا في جيش التحرير، ثم في الجيش الوطني الشعبي. ومن حسن حظ ولاية الأوراس التاريخية أن يُدفن في هذه المقبرة التي تأوي مجاهدي الثورة، ورفاق السلاح موسى حليس، والعقيد الحاج لخضر، وعيسى بخوش”.

69 ولاية حاضرة
هذه التضحية من أجل الجزائر كانت، صباح الإثنين، تحظى بردّ الجميل والعرفان. الآلاف من أبناء الجزائر – مجاهدون، مقاومون، منتخبون، طلبة، مواطنون عاديون، نساء وشابات، وحتى من ذوي الاحتياجات الخاصة – جاءوا من مختلف مناطق الوطن للاصطفاف قرب مقر الولاية، بأمل الفوز بفرصة إلقاء النظرة الأخيرة على النعش عن كثب.
يقول مواطن جاء من ولاية قالمة لـ”الشروق”: “بكّرت هذا الصباح، رغم معاناتي من مرض مزمن، من أجل الوفاء للرجل الذي لبّى نداء الوطن مراهقًا، وقاد البلاد في أحلك الظروف، وأبان عن كبرياء وشموخ الجزائري. فقد رفض لقاء شيراك احتجاجًا على التدخل في الشؤون الداخلية، كما أغلق الحدود مع المغرب ردًا على إهانة السياح الجزائريين وطردهم من الفنادق”.
يصيح مرافقه، الذي جاء من بيطام بولاية بريكة المنتدبة: “زروال هو أب الزواولة، وهو حبّة من سبحة مفقودة حبَا اللهُ بها الأوراسَ والجزائرَ عامة”.
مريم، مناضلة جاءت من العاصمة، تضيف: “أقلّ ما يمكن أن يُفعل لهذا الرجل الطيب والرئيس الشهم والنزيه، هو أن أشارك في جنازته. فهي لحظة وفاء لجبل من جبال الأوراس الشامخة، وعربون محبة لهذا الرجل الذي خلّص البلاد من الإرهاب، وأسس لبنة قانون الرحمة والوئام المدني قبل أن تتطور إلى مصالحة وطنية. كما أنه كان متواضعًا وابنًا لهذا الشعب، فقد رفض الامتيازات ليعيش في منزله بباتنة، وسط أهله وأصدقائه وأحبائه”.
ولكثرة الوفود التي حجّت إلى عاصمة الأوراس من وهران، مستغانم، مسعد، الجلفة، تيسمسيلت، خنشلة، قسنطينة، تيزي وزو، بجاية، الطارف ورقلة، يقول الإمام بن عائشة: “من علامة حب الله أن يجعل عبده محبوبًا لدى الناس. لقد جاءت الجزائر برمّتها إلى هذا المكان، رأيت جميع أرقام الولايات في السيارات المركونة في الشوارع الجانبية، وأعتقد أن 69 ولاية جزائرية كانت في موعد مع هذا الرجل الفذ، المتواضع، الذي تخلّى عن السلطة وعاش رئيسًا برتبة مواطن”.
الوقت يمرّ، والأعداد تتزايد، ما يجعل من المستحيل أن يُلقي الجميع نظرتهم الأخيرة عن كثب، فيشتدّ الازدحام، وتتدخل الشرطة لتهدئة النفوس التوّاقة لتحقيق رغبتها. تتعالى صيحات التكبير، وترتفع زغاريد النساء، وقبل الظهر بقليل يخرج النعش، فتتعالى التكبيرات والزغاريد المدوّية، مختلطة بدموع العجائز، وممزوجة بدعاء الرحمة والغفران.

الرجل الذي اختار قبره
وعلى طول ثلاثة كيلومترات، الرابطة بين مقر الولاية ومدخل ملعب أول نوفمبر الواقع قرب مقبرة بوزوران، احتشد الآلاف لمتابعة مرور الموكب المهيب. تتعالى التكبيرات وزغاريد النسوة من الشرفات، وهم يلحظون العربة المزينة، وشاحنة اصطف فيها عدد من ضباط المؤسسة العسكرية تمرّ على بُعد أمتار معدودة، قبل أن يتوقف الموكب قرب دائرة باتنة. عندها مرّ موكب رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، والفريق أول السعيد شنقريحة الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني ورئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، وأعضاء الحكومة الجزائرية، لتكتسي الجنازة الشعبية طابعًا رسميًا رفيعًا، يعكس العلاقة الودية التي جمعت زروال برئيس الجمهورية، الذي تنقّل إلى مقبرة بوزوران، وظهر إلى جانب قائد أركان الجيش الوطني الشعبي، ونجله عبد الكريم زروال، لأداء صلاة الجنازة التي أمّها إمام مسجد التوبة الشيخ علاوة بن نية، قبل أن يُوارى الثرى في قطعة اختارها بنفسه، ويُرثى بكلمات رسمية تؤكد رمزيته التاريخية كرئيس جمع بين الثورة والدولة تحت قبعة واحدة، وكان أحسن مثال على النزاهة والاستقامة وأداء الواجب ونكران الذات.
هذا الرجل الذي اختار البساطة في الإقامة، اختار أيضًا أن يمضي عن الدنيا بطريقة ملهمة. موصيا بأن يُدفن إلى جوار والده أحمد زروال، الذي امتهن حرفة الإسكافية، وربّى ابنه على الصرامة وحب العمل والاستقامة، حينما أقاما بحي السطا قرب المسجد العتيق، أو بالمجمع البلدي “ديار لاكومين” في حي شيخي.
يقول نور الدين بلومي، رئيس بلدية باتنة، لـ”الشروق” متأثرًا: “ترك زروال وصية مكتوبة بخط يده لأبنائه، يوصيهم فيها بدفنه، بعد وفاته، إلى جوار عائلته في مقبرة بوزوران، التي تحرسها قمة ثوقر العريقة بجبال الشلعلع الغرّاء. كان له خياران: أن يُدفن قرب شقيقته أو والده، فاختار والده الذي تربطه به علاقة وجدانية قوية”.
انقضت الجنازة في أجواء وطنية عظيمة، وانتهت مراسيمها، وبقيت خيمة العزاء قائمة قرب بيت زروال، حيث يُنتظر أن تستقبل عائلته الآلاف من المواطنين الذين لم يُسعفهم الحظ للتنقل إلى عاصمة الأوراس، التي لا تزال مآذنها تبث القرآن الكريم على الأشهاد، في واحدة من الجنائز الرمزية المعبرة عن الوحدة الوطنية، اجتمع فيها الجزائريون في حزن وفخر واحد، خلف رجل جسّد أخلاق الثورة في قيم الدولة.

مقالات ذات صلة