دنقرية والسعاية والحسك.. اكتشف اللهجة الجزائرية قبل 200 سنة
الباحث في أغوار اللهجة الجزائرية، يكتشف مدى جمالها وغناها. ورغم سنوات الاستعمار، ومحاولاته المستميتة لمحوها من على ألسنة الشعب، بقيت اللهجة، بينما زال الاستعمار. ولكن، هل سألتم أنفسكم: كيف كان أجدادنا يتكلمون؟ الشروق العربي تفتح القواميس العتيقة، وتأخذكم في رحلة لغوية، كلها حنين وجمال.
في كتابه “حوارات عربية فرنسية”، استعرض الكاتب الفرنسي، أوغست مارتن، مجموعة هائلة من العبارات المستعملة في اللهجة الجزائرية، قبل 200 سنة تقريبا، أي عام 1846، وتضمن كتاب مارتن معاني الأسماء والأمثلة، من الدارجة الجزائرية، مع ترجمة إلى اللغة الفرنسية. اللهجة الجزائرية، بمفرداتها الغنية وسلاسة كلماتها وعذب صوتها، كانت ولا تزال محل دراسات أكاديمية. ولعل كتاب “حوارات عربية فرنسية”، من بين أقدمها. والسؤال الذي يطرح بإلحاح: هل طرأ تغيير على لهجتنا؟ أم بقيت كما هي؟ قبل أن نجيب عن هذا السؤال الجميل، علينا أن نورد أمثلة كثيرة، كي يتسنى لنا أن نقارن بين لهجة الأمس واليوم.

وردت في الكتاب بعض الجمل المستعملة في الحديث اليومي، بين الناس، مثل: “يا ولد.. جيب الما سخون”. والجواب: “لا لا، أنا موالف نحفف بالما البارد”. وفي سياق الحلاقة، دائما، جاءت بعض الجمل التي تدل على زمكانية معينة، مثل: “بدل هاذ الموس راه حافي”، و”هاذ الموس راه مليح، راه ماضي”.
وكان الجزائريون قديما، يقولون: “اطبع لي شلاغمي”.. للدلالة على قص زوائد الشاربين. وحين يصيب حلاق زبونا في أثناء الحلاقة، وينزف قليلا، يقول له: “سال الدم زال الهم”. ويقول الزبون: “حففلي لحيتي بالكل، من خلاف سلطان اللحية”، أي احلق لي كل اللحية ماعدا الشاربين. أما ماء الكولونيا، الذي يصب بعد الحلاقة، فيقال له الدنقرية، فتجد الزبون يقول للحلاق: “صب لي قطيرات دنقرية في الما”. لكي يطفئ عطشه، كان الجزائري قديما يشرب من الشقالات، وهي جرار المياه المنعشة.
لهجة بديعة
كانت اللهجة الجزائرية، ولا تزال، رنانة، وكلماتها تصيب المعنى مباشرة، دون الحاجة إلى محسنات بديعية. فمثلا، لو سأل رهط بعض المارة عن رهط آخر، فيقول: “قداش بالوهى بيننا وبينهم؟”، بمعنى: ما هي المسافة التقريبية التي تفصل بيننا؟ وإن سألوك: “هل عندهم شي سعاية؟” فيعني هذا أنهم يسألون هل لديهم بعض الأغنام يسعون بها. أما الكثرة، فكان يعبر عنها بجملة عندهم “شي الخاطر بزاف”. أما الأرض المسطحة، فكانت تسمى الوطى، عكس الجبل.
أمثال ناس زمان
الجود والكرم من شيم أهل الجزائر، وكانوا يضربون أمثالا رائعة عن حسن الضيافة، فيقولون لدعوتك على الغداء: “هيا سيدي الفطور راه ساجي”. بمعنى، أنه جاهز. ويقولون: “سجوا المايدة وحطوا عليها الحسك”. أي حضروها وضعوا فوقها الشمعدان. وكان الأجداد يصفون الكريم، قائلين: “سيد الدار خدام ضيافه”. وإن كنت تشعر ببعض الضيق من الضيافة، يقال لك: “ضاقت شي روحك عندنا”.
ويقال أيضا: “اللي تخدمو طيعه. واللي ترهنو بيعه”. وقيل: “شاور مرتك ودير رايك”. وفي وصف الرجل، كان الناس قديما يقولون: “زين الراجل عقله وزين المرا حسنها”.
هناك من يحب الاستلاف، ويتحجج بأتفه الأسباب كي يصل إلى مبتغاه، فيقال عنه: “اللي عندو القمح يسلف الدقيق”. وعن المرأة عند التقدم في السن، كان العقلاء يشبهونها بالنعجة، فيقال: “المرا تهرب من الشيب، كي النعجة من الذيب”. العديد من الأمثلة، كانت لا تفوق ثلاث كلمات، لكن معانيها تصيبك في مقتل. فمثلا، يقال: “الدوام يتقب الرخام، واللي حكمه في يد الغير راه مسامح”.
للحمام طقوس كثيرة وتقاليد، فكان يقال في القديم: “مسدني”. أي دلكني، وماطرشق عظامي، أي لا تطرطق لي عظامي، وكيسلي، وبعد الحمام الساخن، يلبس الرجل القمجة والسروال التحتاني والصباط والساعة والكيسة والشاشية.
في كتاب مارتن، وردت بعض المأكولات التقليدية، مثل الطاجين والكسكسي والمسفوف، وأيضا الشطيطحة، وبعض الحلويات، مثل البقلاوة والمقروط والغريبية. كانت أسماء الخضر والفواكه لا تختلف كثيرا عما هي عليه اليوم، وكانت عنابة مشهورة بالدلاع، وكانت قسنطينة تعرف ببطيخها الخاص، ويقال له المرحوم، وبعض الفواكه كانت أسماؤها غريبة، مثل عين بر النصارى والكرطوس.. وحين تطلب صندوقا من الفواكه، لا تقل صندوقا، بل قل صناج.
هل فوق رأسك ريش نعام؟
كان لطائر النعام قيمة كبيرة في الموروث الثقافي، وكان هذا الطائر الكبير في قلب حديث الناس، فيقال: “باش تصيب النعام، لازم تروح للصحراء”، وأيضا: “بيض النعام غالي”، ويقال أيضا: “وريش النعام قداش يسوى؟”. الحيوانات، لطالما كانت في قلب الحوارات، ويضرب بها المثل، فكان يقال: “الحنش يهرب ملي ما يخافش منه”، وأيضا: “واش يسوى جلد السبع؟”
مارتن، ومن خلال كتابه، وثق وجود بعض الحيوانات المنقرضة في الجزائر، مثل الأسد الأطلسي، فقد أورد بعض العبارات في هذا المعنى، مثل: “كان شي سبوعة في جهة لجبال تاع متيجة”، وقالوا “كاين نمورة وضبوعة”.
قاموس أجدادنا، كان ثريا وغنيا، ويحمل روح الفكاهة، بالإضافة إلى كونه فصيحا للغاية، ولم يكن قد شابته بعض الكلمات الأعجمية، وإن استعملت، تستعمل في مواضع معينة.