الرأي

دوري المحترفين لساسة من الهواة

حبيب راشدين
  • 1893
  • 1

الرئاسيات الأخيرة لم تكن كلها شرا، مع ما رافقها من خيبة أمل عند من كان يراهن عليها كفرصة لتحقيق التغيير، فقد تحرك الرئيس بسرعة غير معهودة في اتجاه الحكومة برسم خارطة طريق لها تريد استدراك ما فاتها، أو في اتجاه المعارضة بدعوتها إلى المشاركة في مراجعة وإثراء مسودة تعديل الدستور.

الإشارة الإيجابية الأقوى جاءت على غير العادة من صفوف المعارضة التي رأيناها تبحث بقدر من الجدية ـ أو هكذا يبدو ـ عن مخارج وطرق لإصلاح أحوالها قبل التفكير مجددا في فرض التغيير على السلطة، ولأول مرة نراها تتجاوز خطوط العداء العقائدي الوهمي بين مكوناتها، وتسعى سواء عبر التنسيقية أو عبر قطب التغيير، إلى تحقيق قدر من التنسيق والتوافق عابرين للأحزاب.

هذا التطور في مواقف وسلوك الأحزاب الناشئة عن دستور 89 مرشح لإحداث تغيير محمود في المشهد السياسي، متى انتقلت الطبقة السياسية من إضاعة الوقت في اكتشاف وشجب الأدوات التقليدية التي يستعملها النظام لتجديد نفسه، إلى التفكير في الأدوات والأساليب التي قد تؤهل المعارضة إلى التنافس مستقبلا بجدية على السلطة وبحظوظ حقيقية.

الأجواء الآن مناسبة لتحقيق مثل هذه النقلة، متى انتبهت المعارضة إلى أن سلوك النظام في العقدين المنصرمين قد ساعد على إضعاف وإقصاء القوى الموصوفة بـ”التطرف”، سواء من جهة ما كان يسمى بالقوى الإستئصالية، أو من جهة القوى الإسلامية “الراديكالية”، وما بقي في الساحة ليس بين مكوناته من الاختلافات ما قد يعيق بناء قطبين قادرين على إدارة المنافسة مع أحزاب السلطة.

الطريق إلى ميلاد هكذا مشهد سياسي قادر على اللعب في دوري المحترفين، يبدأ في اللحظة التي تقتنع فيها مكونات المعارضة من استحالة تغيير النظام في الوقت الراهن، لا بالطرق الثورية العنيفة كما حصل في بعض دول الربيع العربي، ولا بالمعارضة الاحتجاجية الساذجة التي تحاول ركوب الموجات الاحتجاجية الاجتماعية، مع نظام يمتلك وسائل شراء السلم الاجتماعي متى شاء.

فمهما تعاظمت قوة أحزاب المعارضة فلن تكون بحجم قوة وعراقة الإخوان في مصر، وقد رأينا كيف انقلبت عليهم الدولة العميقة، وحوّلتهم إلى محض تنظيم ملاحق بتهمة “الإرهاب”، وليس لهم ذلك التراكم النضالي والتنظيمي الذي كان للأحزاب الشيوعية والاشتراكية الأوروبية، التي لم تفتح أمامها أبواب المشاركة في إدارة الدولة، إلا بعد أن قبلت بقواعد اللعبة، ومثلها فعل إخوان تركية بعد دخولهم في شراكة استراتجية مع الدولة الأتتركية العميقة.

بقي على مكونات المشهد السياسي أن تخرج من عالم الهواة إلى عالم الاحتراف بأن تعفي نفسها، كما يفعل الساسة في الغرب، من اجترار ذلك الخطاب الأخرق الذي تدعي فيه التفاني والتضحية في خدمة الوطن والمواطنين وأحيانا حفظ بيضة العقيدة كما يزعم بعضهم، ويكفينا منهم أن يتعاملوا مع السياسة كحرفة مثل باقي الحرف ينتفعون منها، ويجدد لهم عقد الانتفاع بقدر ما يحققون من منافع للوطن والمواطنين لا أقل ولا أكثر. 

مقالات ذات صلة