الرأي

دور الأمم المتحدة بين ما هو كائن وما يجب أن يكون

محمد بوالروايح
  • 29
  • 0

كان الهدف الأساسي من إنشاء منظمة الأمم المتحدة في 24 أكتوبر 1945 حفظ السلم والأمن الدوليين ومنع وقوع حروب عالمية جديدة. و تندرج تحت هذا الهدف الأساسي أهداف فرعية وهي، منع النزاعات المستقبلية وتنمية العلاقات الدولية وحماية حقوق الإنسان و التعاون الدولي.

وقد استطاعت منظمة الأمم المتحدة في سنواتها الأولى تحقيق بعض أهدافها من خلال نجاحها في تغليب منطق السلم على منطق الحرب و الذي أدى إلى وقف بعض النزاعات الدولية التي كانت إما امتدادا لحقبة الحرب العالمية الثانية و إما حربا ارتدادية في شكل ثورة مضادة على مصادر الثروة، ثم بدأ دور منظمة الأمم المتحدة يتقلص شيئا فشيئا بسبب التدخل السافر للدول الكبرى في دورها أو محاولة هذه الأخيرة الحلول محلها و لو بطريقة غير معلنة.
في العصر الراهن، اتسعت دائرة النزاعات الدولية على أكثر من جبهة عالمية و قد عملت حمى النفط و المصالح على إذكاء هذه النزاعات التي لم يجد بعضها حلولا لحد الآن بسبب تعنت الأطراف المتنازعة و ضعف المنظمة الأممية و حلول مبدأ شرعية القوة محل مبدأ قوة الشرعية.

لكن رغم كل ما لحق منظمة الأمم المتحدة من تقزيم ممنهج و من تجريم في بعض الأحيان و خاصة من قبل الكيان الصهيوني الذي أعلن الحرب على هيئات الأمم المتحدة و أوقف بعضها واتهمها بالوقوف في صف من يسميهم ” محور الشر” المعارض للديمقراطية، رغم كل هذا فإننا لا نزال نعتقد أنه لا بديل عن منظمة الأمم المتحدة فوجودها رغم تراجع دورها الأممي خير من غيابها لأن غيابها يعني الدخول في دوامة لا سبيل للخروج منها و التي قد تعيدنا إلى فترة ما قبل إنشاء منظمة الأمم المتحدة.

لقد امتحنت منظمة الأمم المتحدة في الوقت الراهن بامتحانات كثيرة فثبت عجزها في أغلبها ، امتحنت بالعدوان الصهيوني على فلسطين فلم تقدم شيئا ذا بال و بقي العدوان مستمرا وانتقصت فلسطين من أطرافها بعد فقدان الأمل في الأمم المتحدة و تقلص تبعا له سقف المطالبة العربية من استعادة كل فلسطين التاريخية إلى المطالبة بحدود 1967، و هو السقف الذي قد ينزل إلى أدنى مستوياته مستقبلا بناء على ما تشير إليه القراءات الاستراتيجية التي تؤكد استحالة التوصل إلى تسوية للقضية الفلسطينية إلا وفق هذه الصيغة.

وامتحنت منظمة الأمم المتحدة بحرب الخليج فلم يثمر ذلك عن نتيجة حتى بلغت هذه الحرب منتهاها وحتى رغب من أشعلوها في وقفها لما تبين لهم أن وقفها أولى من استمرارها.

وامتحنت منظمة الأمم المتحدة بحرب روسيا و أوكرانيا فلم تثمر مساعيها عن شيىء ، و امتحنت هذه المنظمة بالحرب الأخيرة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية فوقفت عاجزة. و في عهد الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة البرتغالي” أنطونيو غوتيريش”، استعادت منظمة الأمم المتحدة بعض زخمها ولكنه لم يكن كافيا لوقف أي نزاع أو وقف العنجهية الإسرائيلية ، فالكيان الصهيوني الذي يتنافى سلوكه الإجرامي مع الدور الأممي يتمتع بالعضوية الكاملة في الأمم المتحدة ،ورئيس وزرائه “بنيامين نتنياهو” يتمادى في تحدي الإرادة الأممية من داخل مبنى الأمم المتحدة و يرسل رسائل تحذير لمن يريد و يتهم من يريد و هو المطلوب للجنائية الدولية بسبب جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبها ما يسمى ” جيش الدفاع ” في غزة و عموم فلسطين و سوريا ولبنان.
انتظمت في نيويورك في الأيام القليلة الماضية الدورة الواحدة والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي عرفت تجاذبات حادة بين الدول الأعضاء، و إجماعا دوليا مع بعض الاستثناءات على إدانة السلوك الإجرامي لدولة الكيان الصهيوني، و هذا في نظرنا عامل مشجع قد يقود مستقبلا إلى إجماع أممي ضد إسرائيل الذي إن حدث سيكون نجاحا باهرا لمنظمة الأمم المتحدة.
يحلل هذا المقال دور منظمة الأمم المتحدة بين ما هو كائن وما يجب أن يكون و غرضنا من ذلك أن تستعيد منظمة الأمم المتحدة دورها التاريخي و الأممي و أن تزول مظاهر الضغط المباشرة و غير المباشرة التي تتعرض لها و التي تعيقها عن أداء هذا الدور.

الأمم المتحدة بين دورها التاريخي و دورها الراهن:
جاء في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة أن شعوب الأمم المتحدة قد آلت على نفسها أن تعيش معا في سلام وحسن جوار، وأن تضم قواها كي تحتفظ بالسلم والأمن الدولي، وأن تكفل بقبولها مبادئ معينة ورسم الخطط اللازمة لها و أن لا تستخدم القوة المسلحة في غير المصلحة المشتركة، وأن تستخدم الأداة الدولية في ترقية الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للشعوب جميعها”.

خلافا لما يوصي به ميثاق منظمة الأمم المتحدة ، فقد أضحى استخدام القوة المسلحة في غير المصلحة المشتركة للشعوب هو السمة الغالبة على توجهات الدول الكبرى في الوقت الراهن ، التي تتخذ من عضويتها الدائمة في الأمم المتحدة وسيلة لفرض منطقها و لتصفية حساباتها مع خصومها ضاربة عرض الحائط بعقد الاحترام المتبادل بين الدول الذي ينص عليه ميثاق الأمم المتحدة.

لقد غاب العمل الدولي المشترك وغابت معه نون الجماعة التي صيغ بها ميثاق الأمم المتحدة و حلت محلها الروح التسلطية المفرطة التي تتنافى مع ميثاق الأمم المتحدة جملة و تفصيلا.

إعادة النظر في عضوية الكيان الصهيوني في الأمم المتحدة:
كل ما يحذر منه ميثاق الأمم المتحدة و يدعو لمحاربته يتجسد في سلوك الكيان الصهيوني ، الذي مكانه الجنائية الدولية و ليس منظمة الأمم المتحدة، فميثاق الأمم المتحدة يشدد على التعاون الدولي فيما يعتبر هذا الكيان نفسه كيانا فوق كل الكيانات ، يملي و لا يملى عليه، ناهيك على أن سلوكه الإجرامي لا يلتقي مع هذا الميثاق في صغيرة و لا كبيرة، فميثاق الأمم المتحدة ينص على نشر السلم في الوقت الذي تعمل فيه إسرائيل على تهديد السلم الدولي و افتعال الحروب و الأزمات.

إلى جانب هذا، يتمتع الكيان الصهيوني بالعضوية الكاملة في الأمم المتحدة و ذلك بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 273 الصادر بتاريخ 11 ماي 1949. بأي منطق قانوني أو أخلاقي، تقبل عضوية الكيان الصهيوني في الأمم المتحدة ، و هو الكيان الذي يتعارض سلوكه الإجرامي مع الميثاق الأممي، فمبادئ السلم و مناهضة الحرب و رفض الاحتلال و العدوان و حق الشعوب في ممارسة حقها في الوجود الواردة في الميثاق التاريخي للأمم المتحدة تنقضها إسرائيل جملة و تفصيلا لأنها تتمتع بحصانة ضد التجاوزات و الخروقات ؟. بأي منطق إنساني تقبل عضوية الكيان الصهيوني في الأمم المتحدة، و هو الكيان الذي داس على كل القيم الإنسانية و فعل ما فعل في غزة و الضفة الغربية ولبنان؟.

إن كلمة رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو في الدورة الواحدة و الثمانين للأمم المتحدة و التي قاطعتها وفود عربية و غيرها، تؤكد حالة التنافي بين هذا الكيان الإرهابي والأمم المتحدة، وهذا ملخص ما قاله نتنياهو:” في العام المنصرم، وقفت أمامكم و عرضت عليكم هذه الخريطة التي تبين لعنة هلال إيران الإرهابي، هذا الهلال يهدد سلام العالم بأسره، و يهدد استقرار منطقتنا.

كانت إيران تطور بسرعة برنامجا نوويا و صواريخ هائلة، تهدف من خلالها إلى تدمير إسرائيل و تهديد الولايات المتحدة الأمريكية و استفزاز الدول في كل مكان.

من غزة يحيى السنوار أطلق موجات من “إرهابي حماس ” دخلوا إلى إسرائيل و اجتاحوها في السابع من أكتوبر و ارتكبوا أفعالا وحشية لا يمكن للعقل أن يتصورها . حسن نصر الله من لبنان ، أطلق آلاف الصواريخ على مدننا زارعا الخوف في قلوب مدنيينا ” .

وواصل نتنياهو حديثه عن إنجازاته الوهمية في إيران و غزة و لبنان، وتحاشى الحديث عن جرائم جيش الاحتلال التي وثقتها كاميرا المراسلين و الصحفيين الدوليين. يتحدث عن الأسرى الإسرائيليين في أنفاق غزة و ينسى أو يتناسى آلاف الأسرى الفلسطينيين الذين يقبعون في السجون الإسرائيلية و يتهددهم قانون إعدام الأسرى الذي أثلج صدر بن غفير “؟.

ماذا عن الصوت العربي في الأمم المتحدة:
لقد تضمنت كلمات رؤساء الوفود العربية المشاركة في الدورة الواحدة و الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة بنيويورك رسائل سياسية و دبلوماسية قوية موجهة إلى الكيان الصهيوني و مشددة على أن المجموعة العربية طرف فاعل في الأمم المتحدة لا ينبغي تجاهله أو التمادي في التغييب المتعمد للقرار العربي في هذه المنظمة الأممية . و شدد وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف في كلمته على ضرورة احترام الشرعية الدولية و محاسبة الكيان الصهيوني و رص الصفوف حيث قال في هذا الصدد : ” و نحن نلتقي اليوم في ظرف إقليمي بالغ الحساسية ، تدفع فيه منطقتنا ثمن غياب الحلول السياسية و تراجع احترام القانون الدولي و استمرار الانتقائية في تطبيق قرارات الشرعية الدولية ، لذلك فإن مسؤوليتنا لا ينبغي أن تقتصر على تسجيل المواقف و إنما يتعين أن ننتقل إلى تحرك عربي مشترك.

تظل القضية الفلسطينية قضية مركزية بالنسبة لنا جميعا وما تشهده الأرض المحتلة و لاسيما القدس والضفة الغربية، يفرض علينا إعادة القضية إلى صدارة الأجندة الدولية و التصدي لكل محاولات تهميشها أو تصفيتها أو اختزالها في بعدها الإنساني . إن التصعيد المستمر في منطقة الخليج يعد مصدر قلق دائم بالنسبة لنا ونجدد رفضنا و إدانتنا لكل اعتداء على سيادة الدول العربية وسلامة أراضيها و لكل محاولة لتحويل المنطقة إلى ساحة للحروب بالوكالة كما يجب علينا التأكيد على أن تكون الدول العربية جزءا من أي نقاش أو تفاوض حول الترتيبات الأمنية المستقبلية و أن تؤخذ أولويتنا و مخاوفنا بعين الاعتبار “.

و اتفقت كلمة أمير قطر في الجمعية العامة مع كلمات الوفود العربية، و من أهم ما أشار إليه هو تأسيس نظام يحقق الأمن الجماعي الدولي تكون الدول العربية طرفا فاعلا فيه. و لم يتوان الرئيس السوري أحمد الشرع عن التذكير بسورية الجولان و أنه أرض محتلة وفقا للقانون الدولي.

تحقيق مبدأ العدالة و المساواة بين الدول داخل الأمم المتحدة:
الأمم المتحدة بحسب ميثاقها التأسيسي فضاء أممي و كونها بهذه الصفة الدولية فإن ذلك يفرض عليها العمل على تكريس مبدأ العدالة والمساواة بين الدول وحقها في إبداء رأيها حيال القضايا الدولية المصيرية و أن لا يكون ذلك حكرا على دول بعينها. لقد أسست الأمم المتحدة لتكون فضاء أمميا لجميع الدول و ليس لدول بعينها و قد حان الوقت لوضع هذا المبدأ موضع التنفيذ ، فالقضايا الأممية تحتاج إلى قرار أممي جامع و ليس إلى قرارات دولية تحت ضغط القوة الاقتصادية و الدبلوماسية.

إن مبدأ العدالة و المساواة بين الدول داخل الأمم المتحدة مكرس في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة بصيغة واضحة لا تحتمل التأويل: ” نحن شعوب الأمم المتحدة وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي في خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزانا يعجز عنها الوصف، وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية، و أن نبيّن الأحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة واحترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي، وأن ندفع بالرقي الاجتماعي قدما، وأن نرفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح”.

مقالات ذات صلة