الرأي

“دولة غير مخترقة لا خوف عليها”… هل هي مقولة صحيحة؟

حمدي يحظيه
  • 650
  • 0

مقولة “دولة غير مخترقة من الداخل لا خوف عليها” أصبحت شائعة، متداولة بين الكثير من الشعوب الخائفة، وبدأت تنتشر أكثر منذ بدأت الفوضى تغزو العالم.

في الواقع، يعتقد الكثيرون الآن أن العالم يقف على حافة الهاوية، وأن لا أحد يستطيع أن يتوقع ماذا سيحدث من تدهور في ظل ما يقع الآن من انزلاق خطير نحو الفوضى العارمة.

الجميع يكاد يتفق أن الأمم المتحدة والقانون الدولي والديموقراطية وحقوق الإنسان أصبحت في خبر كان، ولم يبق منها ما عدا الاسم، وأن مجلس الأمن انتهت صلاحياته، وأن الكرة الأرضية بدأت تدور دورانا غير مُحكَّم فيه نحو الهاوية.

أمام واقع أصبحت فيه القوة هي القانون، لا بد أن تحاول الدول التي لازالت تحافظ على قرارها وسيادتها وحدودها أن لا يتم استهدافها أو على الأقل تُخلق وسائل دفاع عن نفسها ما أمكن لها ذلك حتى لا تسقط في ساعات بدون مقاومة؛ بمعنى آخر، على هذه الدول أن تقرأ مسبقا قراءة صحيحة واعية المخططات الظالمة السابقة التي اسقطت الكثير من الدول، وتخلق وسائل مقاومة لها أو على الأقل أن لا تؤخذ على غفلة.

فمادام الجميع أصبح يخشى الاستهداف، ولا أحد يعرف من أين ستأتي الكارثة يبقى الحل الوحيد هو استشراف المستقبل واستباق الأحداث وخلق مناعة ذاتية، ورسم خطط للدفاع عن السيادة.

مراحل الاستهداف وخطر الداخل

تحليل تفاصيل ما حدث سابقا تحليلا صائبا، وقراءة الواقع بشكل صحيح وتشريح الأسباب التي أدت إلى سقوط أنظمة وسقوط رؤساء وتدمير دول عن آخرها واستهداف ثروات دول أخرى من شأنه أن يكون هو طوق النجاة الوحيد للوقوف في وجه كرة الثلج المتدحرجة التي تدمر كل ما يأتي في وجهها.

أول استنتاج يخرج به المتابع العادي لما يحدث في العالم أن كل الدول التي تم تدميرها أو إسقاط أنظمتها تم استهدافها عن طريق تنفيذ سيناريوهات خارجية، لكن يتم تنفيذها من الداخل، وتحدث على مراحل: الأولى، إعداد مخطط نظري على مدى طويل لاستهداف الدولة المعنية، ثانيا، دراسة الدولة المستهدَفة من الداخل بواسطة جيش من المخابرات مدعوم بعناصر داخلية مجندة، وهذا الدور غالبا ما يقوم به الكيان الصهيوني مدعوما بالمال الفاسد لبعض الدول العربية. المرحلة الثالثة، بعد الدراسة الميدانية، يتم استهداف الدولة الضحية بهجمات إعلامية منسقة ومكثفة، ويتم التركيز على نقطة ضعف معينة أو اختلاق اتهامات غالبا ما تتمحور حول انتهاك حقوق الإنسان أو الديكتاتورية أو غياب الديمقراطية أو تزوير الانتخابات أو صناعة اسلحة محرمة أو ممارسة الارهاب أو دعمه. المرحلة الرابعة هي الاستهداف المباشر، ويبدأ بعصيان أو مظاهرات أو ثورة مسلحة في الداخل بين مكونات الشعب الواحد، تكون متبوعة بتدخل القوة الخارجية التي تدعم طرفا ضد طرف، وغالبا ما تدعم الثائرين ضد انظمتهم.

كل الدول التي تم استهدافها تم فيها تنفيذ المراحل التي ذكرنا سابقا بالترتيب، وانتهت كلها بحرب أهلية أو دينية واستولى الخارج على ثرواتها وتحولت إلى دول فاشلة أو أُعيدت اربعين سنة إلى الوراء. النقطة الأخرى المهمة هي أن كل الدول التي تم استهدافها أو التي يفكرون في استهدافها هي دول غنية أو ذات موقع استراتيجي أو دول تهدد الكيان الصهيوني أو دول لها طموحات في امتلاك سلاح نووي، وكلها تنتمي لما يسمى دول العالم الثالث. لنضرب مثلا بما حدث في بعض الدول لنؤكد أن الخارج لم يستهدفها مباشرة بالقنابل والطائرات إلا بعد نجاح سيناريو الاستهداف من الداخل. العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، السودان، فنزويلا، كلها دول تم استهدافها من الداخل، وتم تدميرها من الداخل قبل مهاجمتها من الخارج. فحين يصبح سيناريو التدخل الخارجي جاهزا يبدأ الاستهداف بتحريض مجموعة محلية ضد الدولة والنظام وخلق صراع داخلي تلعب فيه القوة المستهدِفة من وراء الستار دور من يسكب البنزين على النار، ودور من يدعم الديمقراطية ضد الديكتاتورية، ويلعب فيه خونة الداخل دور الأبطال والثوار ودعاة الديمقراطية.

نماذج من دول حاولوا اختراقها ودول اخترقوها

في الواقع، الآن، في ظل هذه الفوضى العظيمة، لا أحد يمكن أن يتوقع من هي الدولة التي يمكن استهدافها ومن هي الدولة التي يمكن أن تنجو، ومن هي الدولة التي ستكون الهدف التالي.. كما قلنا، بما أن جميع دول العالم الثالث تتوقع أن تكون ضحية في يوم ما أو تكون هي الدولة التالية فمن المفروض أن تتخذ هذه الدول بعض الاحتياطات وأولها هو أن تواجه الاستهداف الداخلي، وتتغلب عليه قبل أن تندلع الشرارة. فالطرق التي تم اللجوء إليها إلى حد الآن لتقويض الدول متشابهة، لكن أشهرها على الإطلاق الاستهداف الداخلي. لنضرب مثلا بدولة مستهدفة تاريخيا من طرف الولايات المتحدة الأمريكية وهي دولة كوبا الصغيرة المحاصرة في جزيرة. فهذه الدولة، المجاورة للولايات المتحدة الأمريكية، ظلت هدفا لهذه الأخيرة، لكن لم يحدث التدخل المباشر فيها بالغواصات وحاملات الطائرات، والسبب بسيط وهو أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تستطيع اختراقها من الداخل، وهذا دليل ملموس يؤكد المقولة التي عنونّا بها هذا المقال. نموذج لدولة أخرى ظلت مستهدفة من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وهي إيران. فهذه الدولة مستهدفة لسببين: الأول هو أنها غنية، والثاني هو أن لها طموح لامتلاك سلاح نووي وربما يمكن أن نضيف سببا ثالثا وهو أنها دولة مسلمة. فهذه الدولة كان من المفروض أن تأخذ كامل الاحتياطات منذ البداية ما دامت تعلم علم اليقين إنها مستهدفة، لكن يبدو أنها إما فشلت في منع الاختراق الداخلي أو لم تتعلم من دروس الدول التي تم استهدافها. فكل الخسائر والهجمات التي تعرضت لها إيران كانت من الداخل مثل استباحة المخابرات الصهيونية لها، وعدم قدرتها على التحكم في شارعها الذي يثور بين الفينة والأخرى.

الآن أصبح لزاما على كل الدول أخذ الحيطة والحذر. على الدول التي تخشى أن يتم استهدافها أن تعمل على محورين متوازيين: الأول العمل على منع أي اختراق أمني خارجي بمراقبة عمل التجسس في الداخل، والثاني أن تمنع اختراق الجبهة الداخلية. وبالموازاة مع منع الاختراق الداخلي لا بد من التسليح والاختراع في المجال العسكري ومسايرة تطور التكنلوجيا العسكرية. بالإضافة إلى كل هذا يجب أن تعمل الدول المستهدفة على أن تتصرف بعقلية الدولة، وأن تتحاشى كل ما من شأنه أن “يشرع” التدخل فيها.

مقالات ذات صلة