الرأي

دير الخير ونساه

الشروق أونلاين
  • 2380
  • 0

مع اقتراب نهاية رمضان، أقترب أنا من النهاية.. ليس لأن رمضان قد قضى على شعبان فقط، بل لأنه ينتظره 6 من شوال. كما أنني عمليا، أنتهي كليا ماديا ومعنويا. خاصة ماديا، فمعنويا يجب أن لا يفهم دائما على أنه تأثر بالصوم، لأني لم أتأثر به من هذه الناحية (في الحقيقة، هو من تأثر بي! كنت أصوم نائما وأفطر فائقا!)، رغم أني شعرت أني صمت الأيام الأخيرة تمام الصيام مع الصلاة في أوقاتها والقيام وقلة النوم والأكل وأيضا مع.. العمل. الميزانية هي التي أنهتني، وهي التي عادة ما تنهيني قبل أن أنهيها.

لهذا رتبنا الأمور في البيت عل أساس أن تطهى حريرة واحدة كل أسبوع، وتعاد هيكلتها كل يوم بإضافة الماء وبعض التوابل إن وجدت. كل حريرة جديدة كانت تكفي بالكاد لستة أيام، أما اليوم السابع فلا حريرة فيه: نأكل أي شيء من خبز وحليب وتمر أو مرق قطعة شحم. صرت لا آكل كثيرا والحمد لله ”  ليسطوما عطاتني الحس” في الأيام الأخيرة هذه، فنقصت من الأكل وكان ذلك أمنا وسلاما على “ميدان التحرير”، حيث يجد الأبناء ضالتهم بعد آذان المغرب وبدون منازع ولا منافس شرس.

حريرة اليوم صرنا نسميها “حريرة” وحريرة اليوم الثاني، صرنا نسميها  “حريرة وماء” أما حريرة اليوم الثالث فصارت تسمى “حريرة وماء وزغاريت”، يليها “الماء والزغاريت” ثم “الماء” فقط  ثم في اليوم السادس، تصبح وفقط “زغاريت”، أي أنها  قد انتهت، أي أن غدا لن يكون لناظره حريرة بالمرة. لهذا صرنا في البيت نضحك عندما يقترب اليوم السادس: بعض بناتي صرن يزغردن تحت أنفهن في اليوم الخامس عندما لا تعجبهن الحريرة أو تكون أمهن قد أضافت مقدارا أكبر من الماء فيها. وصرنا عندما نسمع زغاريد خارج البيت بأية مناسبة: ولادة، نجاح، زواج، ننطق كلنا دفعة واحدة: هذا النهار التالي! وننفجر ضحكا.

اليوم هو اليوم السابع، أي أننا قد زغردنا يوم أمس! وهذا يعني أن غدا هو اليوم الثامن.. وهذا يعني أيضا أنه عليَّ أن أصرف لتحضير حريرة الأسبوع المقبل. كان عليَّ أن أطلب من صاحب المجزرة أن يعطيني تسبيقا لخمسة أيام على الأقل، لأنه لم يعد في بيتنا قط يموء. القطة هربت من اليوم الثالث من رمضان. أعطاني الرجل التسبيق ورحت به مباشرة إلى السوق. في السوق التقيت حالة يرثى لها لعائلة وقد رمي بها في الشارع في رمضان بعد انهيار سقف البيت عليها. وجدت الناس يجمعون لها. فما كان علي سوى أن أعطيتهم ما كان عندي وعدت بخف حنين  .

في البيت، وقبل أن أدخل، استقبلني ابني الأصغر: بابا..جابونا هااااكذا الخضر والفواكه واللحم..(إلى حد الآن، لا أعرف من هو فاعل الخير الذي أحضر كل هذا الخير.. وكان يكفي لشهر!).

مقالات ذات صلة