دين البداوة!
دين البداوة، نبزٌ يطلقه من يعجبهم أن يوصفوا بالعلمانيين والعقلانيين والحداثيين، على أحكام الشريعة الإسلامية، المتعلقة ببعض مناحي الحياة، وهذا الوصف وإن كان مؤدّاه قديما قدم البشرية، واجه به المكذّبون دعواتِ الأنبياء والرّسل”حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِين”، إلا أنّ لفظه اشتهر في السنوات الأخيرة على لسان الكاتب الفلسطيني عزمي بشارة، الذي يقدَّم على أنّه مفكّر عربي، تتنافس القنوات العربية على استضافته وتقديم تحليلاته ليس للرّاهن العربي فقط، وإنما للراهن الإسلامي أيضا!، مع أنّه رجل نصرانيّ، لم تسعفه علمانيته في إخفاء تعصّبه ضد الإسلام، وهو ما يظهر في فلتات لسانه، وفي لمزه لبعض أحكام الشريعة الإسلامية، ولعلّ ما يكشف تناقض صاحب نظرية “دين البداوة” ومن يسير على نهجه من علمانيي العرب، أنّهم وفي الوقت الذي وصلت دعواتهم لتخليص الإسلام من البداوة، إلى حدّ المطالبة بإعادة النّظر في بعض نصوص القرآن التي تؤكد كفر اليهود والنّصارى وتفضح تحريفهم لدين الله، وتدعو إلى إقامة الشّرع وتبليغه للعالمين؛ لا يُسمع لهم في المقابل أيّ صوت يطالب بإعادة النّظر في المصادر النصرانية واليهودية التي حفلت بالإباحية والإساءة إلى أنبياء الله عليهم السلام، كما هو الحال مع سفر نشيد الإنشاد، والتي غيّبت العقول، وروّجت للخرافات، وفوق هذا وذاك أصّلت للإرهاب الأعمى الذي تُرجم ولا يزال يترجم إلى واقع، من خلال الحروب الصليبية التي شُنّت ولا تزال تشنّ على المسلمين بتحريض من الكنيسة؛ فها هي المصادر النّصرانية مثلا تنسب إلى نبيّ الله عيسى عليه السلام أنه قال: “لا تظنّوا أنّي جئت لألقي سلاما على الأرض، ما جئت لألقي سلاما بل سيفا، فإنّي جئت لأفرّق الإنسان ضدّ أبيه، والابنة ضد أمها، والكنّة ضد حماتها” (إنجيل متى 10: 34- 35)، وتنسب إليه أيضا أنّه قال: “أمّا أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم، فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدّامي”، بل وتذهب بعيدا إلى حدّ استباحة قتل النساء والأطفال والرضّع والبهائم، فتقول: “فالآن اذهب واضرب عماليق، وحرّم كل ما له، ولا تعف عنهم، بل اقتل رجلا وامرأة، طفلا ورضيعا، بقرا وغنما، جملا وحمارا، وأمسك أجاج ملك عماليق حيا، وحرّم جميع الشعب بحد السيف”.
هذه النّصوص وغيرها ممّا تنضح به مصادر النصارى، لا تستدعي اهتمام علمانيي العرب، لأنّ الكنيسة خط أحمر، لا تسمح الأنظمة العربية أن تمس مقدّساتها ومصادرها، والمسلمون في بلاد الأزهر وفي غيرها من البلدان هم وحدهم مَن يطلب منهم أن يراجعوا دينهم، ويعيدوا النّظر في مصادره.
علمانيو العرب منشغلون فقط بتتبّع شوارد بعض دعاة المسلمين الذين لا يكاد يُلتفت إلى آرائهم وأقوالهم، ممّن قلّدوا من غير فقه ونظر أو تكلّموا في غير ما يحسنون، فأنكر من أنكر منهم كروية الأرض ودورانها حول الشّمس، وحرّم من حرّم منهم التّصوير بكلّ أشكاله؛ وحظر على المرأة قيادة السيارة؛ أمثال هؤلاء موجودون، لكنّهم قلّة قليلة، يتعمّد العلمانيون تسليط الأضواء على شواذّ آرائهم وأقوالهم، في الوقت الذي لا يلتفتون فيه إلى شذوذات وغرائب الطّوائف المنحرفة التي بُلي بها الإسلام والمسلمون، كتلك التي يصرّ أتباعها على التمسّك بعقيدة الغائب المنتظر منذ 1177 سنة، وعلى التشبّث بالطّقوس المستشنعة كلطم الصّدور وجلد الظّهور وضرب القامات، وبالعقائد القبورية البالية التي تسوّل لهم المرابطة عند القبور والمزارات وطلب الحوائج من الأموات، فضلا عن أن يلتفت هؤلاء العلمانيون إلى ما عند أحبار اليهود وقساوسة النّصارى من غرائب وعجائب وآراء تضاهي ما عند المسلمين، وتفوقه غرابة وشناعة في أكثر الأحيان، على غرار الفتوى التي أصدرها أحد كبار حاخامات اليهود مؤخّرا وتقضي بأنّ قيادة المرأة للسيارة ليس عملا محتشما، وبالتالي فلا يجوز السماح لها بتعلّمه، وأغرب منها الفتوى التي أصدرها الحاخام “بويخمان” يحرّم فيها على المرأة استخدام الغسالة الأوتوماتيكية، وأغرب منهما فتوى أحد حاخامات اليهود بتحريم نقل الدم من امرأة إلى رجل ومن علماني إلى متديّن، بحجّة أنّ المرأة أقلّ شأنا من الرجلّ والعلمانيَّ لا يأكل الحلال!.
إن كانت مشكلة العلمانيين مع غرائب الأقوال والفتاوى، فما عند المسلمين لا يكاد يمثّل شيئا بالنّسبة إلى ما عند اليهود والنصارى فضلا عن أتباع الديانات البشرية الأخرى، أمّا إذا كانت مشكلتهم مع نصوص الشّرع المحكمة التي تخالف أهواءهم ونزواتهم، فليكونوا صرحاء، ولا داعي لأن يتمسّحوا بالعلم والعقل بعد أن ثبت -بشهادة المنصفين من العلماء- أنّه لا يوجد بين النصوص الصحيحة الصّريحة في الإسلام ما يناقض ثوابتهما، أي ثوابت العلم والعقل، ونحن لسنا مستعدّين لتطويع نصوص الكتاب والسنّة وإخضاعها لأهواء ونزوات قوم قال الله عنهم: “وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُون”.
تبقى محنة التخلّف الذي يعيشه العالم الإسلامي، والذي يحاول بعض غلاة العلمانية إلصاقه بالدّين، مع أن السبب الرئيس فيه هو السياسات العرجاء التي انتهجتها الأنظمة العلمانية والوطنية، وأدّت إلى التخلي عن البحث العلمي وتهميش العلماء واضطرارهم للهجرة، وإلى تحويل بلاد العرب إلى أسواق مفتوحة على مختلف أنواع السّلع والبضائع، ولو كان هؤلاء العلمانيون صادقين في حرصهم على مصلحة الأمّة العربية، لنادوا بعودة المسلمين إلى قِيم دينهم في طلب العلم والعمل والاجتهاد والصّدق والأمانة، لكنّهم أبوا إلا أن يصوّبوا سهامهم نحو الدين ليحشروه في أضيق دائرة ممكنة!.