الرأي

ذنوبهم أم ذنوبنا؟! يشكروننا أم نشكرهم؟!

سلطان بركاني
  • 490
  • 0

مِن المحزن أن يوجد في الأمّة من يطعن في رجالها وأخيارها ويغيظه أن يفرح المؤمنون بنصر معنويّ يُقِرّ به كلّ العقلاء وحتى الأعداء.. محزن غاية الحزن أنّنا لم نكتف بخذلان رجالنا وأبطالنا وتركهم يخوضون معركة الأمّة وحدهم، ولم نكتف بخذلان أهل غزّة حتى رأيناهم يجوّعون ويحرّقون وتقطّع أجسادهم وتسيل دماؤهم وتجأر إلى الله نساؤهم، ونحن نتجادل إن كان ذلك بسبب ذنوبهم أم بتهوّر حماس؟! لم نكتف بكلّ هذا حتى استمررنا في جدالنا بعد وقف الحرب إن كان أهل غزّة قد انتصروا أم إنّهم قد هزموا؟.. بل قد بلغ بنا الأمر إلى حدّ أن يخرج من بيننا من يلوم المقاومة على أنّها لم تبذل لنا الشّكر على أقلّ الواجب الذي أديناه!

عجيب أن ينسى بعض المسلمين أنّهم سيكون جزءًا من مشهد يوم عظيم يقوم فيه النّاس لربّ العالمين ويُقتصّ فيه للمظلومين من الظّالمين وللمخذولين من الخاذلين؟! عجيب أن ننسى أنّمنا سنكون مع إخواننا الذين خذلناهم وتركناهم، جميعا بين يدي الله؛ فيا فوزهم حين يقال لهم: ((سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار))، هذه البشرى العظيمة التي تطير لها القلوب فرحا، يسمعونها بعد أن يجمع الله بينهم وبين آبائهم وأمهاتهم وإخوانهم وأبنائهم وأحبابهم الذين فرّقت بينهم الحرب: قال تعالى: ((جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)).

أمّا نحن الذين رضينا بالحياة الدّنيا من الآخرة، فإن لم يلطف الله بنا فربّما يقال لنا يومها: ما لكم حين قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض؛ ((أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ))؟ يوم نقف مع أكثر من 66 ألف مسلم بين يدي الله، فيتوجّهون إلى مولانا ومولاهم بطلب يقطّع القلوب: ربنا سل هؤلاء لم خذلونا؟! يا ربّ اسألهم لماذا ضنّوا علينا بأرواحهم وأموالهم؟

إنّها الذّنوب التي أقعدتنا!

هؤلاء الذين يجادلون ويستميتون في الجدال ليثبتوا أنّ غزّة لم تنتصر، أما كان حريا بهم وبنا معهم أن نتساءل جميعا: ما الذي أقعدنا عن نصرة إخواننا؟ كيف رضينا بأن يكون قصارى ما نقدّمه لإخواننا هو أقلّ ما يقدّمه الكفّار المنصفون؟ هل نحن معذورون حقيقة؟ وإن كنّا معذورين في قعودنا، ما الذي قدّمناه بديلا عن الجهاد بالأنفس؟ هل جاهدنا بأموالنا وكلماتنا ودعواتنا ودموع أعيننا؟ هل بكينا في خلواتنا أننا لم نستطع لإخواننا نصرة بأنفسنا؟! إذْ لم نكن من الذين يجاهدون ولا من الذين ينفقون على المجاهدين؛ فهل كنّا من الذين يعتذرون ويبكون حزنا أنهم لم يكونوا من هؤلاء ولا من أولئك؟ يقول الله تعالى: ((لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون)).

هذه الآيات تتحدّث عن حال أهل الأعذار، وقد نزلت ابتداءً في الـمُزنيّين الذين لم يمكنهم الخروج في غزوة تبوك، حين أتوا رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- فقالوا: يا رسول اللَّه، احملنا. فقال لهم: “وَاللَّهِ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ”. فتولّوا وهم يبكون وعزّ عليهم أَن يقعدوا عن الجهاد ولا يجدوا نفقة ولا محملا. فلمّا علم اللَّه حرصهم على محبّته ومحبة رسوله أنزل عذرهم في كتابه.. لكنّه سبحانه اشترط في من يكون معذورا أن يكون ناصحا لله ولرسوله صادقا في عذره، لا يرجف بالناس ولا يثبّط عن الجهاد، ((مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيم)).

حرمانٌ عظيم وعقوبة شديدة أن يُحرم العبد الجهاد بنفسه أو ماله في وقت الاشتباك بين الحقّ والباطل، بين الإسلام والكفر؛ كيف بمن يزيد على الخذلانِ الإرجافَ والتثبيط والطّعن في المجاهدين؟!

إنّ الذي يهوي بالعبد إلى هذه الدّركات هو الذّنوب المتراكمة. إنّ الله -جلّ وعلا- لا يُسلم عبدا لنفسه وشيطانه يحملانه على الطعن في أولياء الله وفي رجال الأمّة، إلا وبين هذا العبد وبين الله من أسرار الذّنوب والمعاصي ما استحق به هذا الخذلان. يقول الله تعالى: ((وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِين)).

سئل صحابي النبيّ –صلى الله عليه وسلّم- عبد الله بن مسعود –رضـي الله عنه-: ما لنا لا نستطيع قيام الليل؟ فقال: “أقعدتكم ذنوبكم”، وقيل للحسن البصريّ: قد أعجزنا قيام الليل؟ فقال: “قيدتكم خطاياكم”، وقال الفضيل بن عياض: “إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم كبلتك خطيئتك”.. هذا فيمن ينام عن قيام الليل الذي هو جهاد للنفس، كيف بمن تقعده نفسه عن أدنى درجات جهاد العدوّ؟

إنّ الذّنوب التي بيننا وبين الله هي ما ثبّطنا وأقعدنا عن بلوغ المنازل التي بلغها الرّجال، وتراكمها هي ما انحدر ببعض المسلمين إلى درك الطّعن في المجاهدين.. وفي هذا درس بليغ لكلّ عبد مسلم أن تكون هذه الحرب محطّة حاسمة لمراجعة علاقته بالله، والنّظر في حاله بحثا عن الذّنوب التي يمكن أن تصنع مواقفه ممّا تمرّ به الأمّة في هذه المرحلة الحاسمة.. ورُبّ ذنب يصرّ عليه العبد ويتهاون في التوبة منه، ينحرف به إلى موقف خاطئ يكون وبالا عليه في الدّنيا والآخرة، ويحبط به عمله.. نصوص القرآن والسنّة وكلمات العلماء العاملين متوافرة في أنّ أهل الجهاد والرباط هم أهدى النّاس سبيلا وهم من ينبغي أن يكونوا دليل الأمّة وحاديها إلى الطّريق الصّحيح، لكنّ الذّنوب –خاصّة منها ذنوب القلوب كالكبر والغرور وحبّ الظّهور والحقد على المسلمين- ربّما تَحرف مسار العبد ليكون في الجهة المقابلة لأولياء الأمّة وأخيار الأمّة.

ذنوبهم أم ذنوبنا؟!

مقبول أن نسمع داعية من دعاة الأمّة القاعدين –وكلّنا كذلك- يؤكّد أنّ ما نزل بأهل غزّة من بلاء وما حلّ بهم من أهوال، هو بسبب ذنوب الأمّة، لكن أن يحشر أهلَ غزّة في الموضوع ويشملهم بالتهمة، فهذا ظلم عظيم.. ذنوبنا هي ما حال بيننا وبين نصرتهم، وذنوبنا -نحن القاعدين- هي واحد من أهمّ الأسباب التي عظّمت البلاء على إخواننا.. نحسب أنّ البلاء نزل بهم لأنّهم صفوة الأمّة وأخيارها، ليتّخذ الله منهم شهداء، وليقيم الحجّة بهم علينا، وينزل نصره عليهم بغير منّة من أحد، وما ينبغي أن نخشاه نحن هو أن يكون هذا كلّه تمهيد للاستبدال: ((إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) (التوبة: 39)

نحن من ينبغي أن نشكرهم

إنّه لموقف مخزٍ حقيقة أن ننتظر من إخواننا الذين خذلناهم ولم نشدّ أزرهم بسوى كلمات قلناها أو كتبناها، أن يبذلوا لنا عبارات الشّكر والامتنان! يُفترض فينا أن نموت حياءً وخجلا من تقصيرنا، ونحن نراهم يجنون شيئا من ثمرات صبرهم وصمودهم وتشبّثهم الأسطوريّ بدينهم وأرضهم التي هي أرض الأمّة المباركة.. لقد شكر رجال المقاومة قوما يحبّون الشّكر ويعملون له، وشكروا قوما يفرحون ويراؤون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، بل قد شكروا بعضا ممّن تآمروا عليهم على موقف أخير يظهر أنّه في صالح غزّة، وهم بذلك يرجون أن يستحي أولئك الخاذلون والمتآمرون من أنفسهم ويراجعوا مواقفهم.. أمّا من قدّموا ما هو أقلّ من الحدّ الأدنى من النّصرة، فيتركون لإخلاصهم وثبات مواقفهم.. ولنا في سيرة النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- سلوى: بعد غزوة حنين، أعطى رسول الله –صـلى الله عليه وسلم- الأعطيات من الغنائم لقريش وقبائل من العرب، ولم يعط الأنصار -الذين آووه ونصروه- شيئا؛ فوجد بعض الأنصار في أنفسهم؛ حتى قال أحدهم: “لقي رسول الله –صـلى الله عليه وسلم- قومه”.. فلمّا سمع النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام- مقالتهم، جمعهم فقال لهم: “يا معشر الأنصار، ما قالة (مقالة) بلغتني عنكم، وجدة (لومًا) وجدتموها في أنفسكم؟! ألم آتكم ضُلالا فهداكم الله؟ وعالة فأغناكم الله؟ وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ (…) أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار، في لعاعة من الدنيا، تألّفتُ بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، أفلا ترضون يا معشر الأنصار، أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله في رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شِعبا وسلكتِ الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار. اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار!” فبكى القوم، حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: “رضينا برسول الله قسما وحظا”، ثم انصرف رسول الله –صـلى الله عليه وسلم- وتفرقوا.

يفترض في كلّ من قدّم شيئا نصرة لإخوانه أن ينتظر شكره من الله وأن يسأل الله العفو عن التقصير.. المقاومة ليس من واجبها أن تشكر الأمّة التي خذلتها إلا قليلا، إنّما الأمّة هي من يجب عليها أن تشكر المقاومة على أنّها استماتت في الدّفاع عن الأرض المقدّسة، وقارعت وحدها جموع الشرّ.. يكفي المقاومة فضلا أنّها لم تَكفر بأمّتها ولم تتوجّه إليها بعبارات التقريع أنّها تخلّفت عما أوجب الله عليها من النّصرة.. فشكرا ألف شكر رجال المقاومة.

مقالات ذات صلة