الرأي

ذهولٌ أم صدمة؟

ح.م

يبدو أن السيد بلقاسم زغماتي وزير العدل، ارتكب خطأ لغويا عندما قال عقب إعلانه عن مباشرة المحاكمات العلنية لرجال أعمال ومسئولين تورّطوا في قضايا فساد، إن “الجزائريين سيُذهلون من الحقائق التي ستكشفها هذه المحاكمات”، لأن الكلمة التي تصف شعور غالبية الجزائريين والجزائريات، هي الصدمة، التي هزَّتهم عندما علموا بأن بعض المسؤولين بلغت بهم الجرأة على فعل الشرّ، أن منحوا أطفالهم الرضَّع، بدل حليب الأطفال، آبارا من النفط، وكانت ردود بعض المسئولين ومنهم رؤساء حكومة، توحي بأننا كنا نعيش ومازلنا، في غابة لا يأكل فيها القوي الضعيف فقط، وإنما كل من يعيش فيها لا يمتلك عقلا بشريا، يفرِّق فيه بين الخير والشر، والعمل والنوم، والنهب وطلب الرزق.

الأرقام الفلكية التي نطقها القاضي على مسامع المتّهمين في قضية تركيب السيارات وصدمت عامة المواطنين، بيّنت بأن المراتب الأخيرة التي تتواجد فيها الجزائر في السنوات الأخيرة نُموا وعلما واقتصادا، هي أمرٌ منطقيٌّ وطبيعي؛ فمن غير المعقول أن يتَّحد رجالُ المال والسياسة أمام مرأى ومسمع 44 مليون نسمة، على دفن البلاد ونهب مال العباد، وتحقق الجزائر تطورا أو على الأقل استقرارا في نفس مراتبها، من دون الرجوع إلى الخلف.

المشكلة التي عاشتها البلاد خاصة في العقدين الأخيرين، لم تُختصر في وجود فئةٍ من المفسدين الذين نهبوا أرقاما عجز الفضوليون عن عدِّها، وإنما في التأسيس لجمهورية الفساد التي انتقلت فيها العدوى من القمَّة إلى القاعدة، وكما تورّط رؤساء حكومة ووزراء سابقون في حرق المال العام، تلطّخ رؤساء بلديات في فساد مماثل في وسخه، ومختلف في أرقامه حسب منصب هذا، ومنصب ذاك.

المرشحون للرئاسيات خلال حملاتهم الانتخابية ومناظرتهم، تعهّدوا بمحاربة الفساد وإعادة المال المنهوب، ولكنهم جميعا كانوا شهودا على عقدين من الفساد، وعلى نموِّ ووقاحة هؤلاء الذين حكموا البلاد وحوّلوها إلى مملكةٍ يقود فيها وزيرُ الصناعة الذي ينعم حاليا في أوربا بأموال الشعب، رئيس الحكومة الذي من المفروض أن يكون هو من يعينه، ويتدخل فيها أبناؤه وزوجاته في الشأن المالي للبلاد، إلى درجة أن محاكمة نهاية الأسبوع، ذكرت أبناء المسؤولين أكثر من المسؤولين أنفسهم.

الذهول أو الألم أو الصدمة التي هزّت الجزائريين، وهم يتابعون هذه المذبحة في حق الأمة، لم تسقط أيّ قطرة دم، لأن الشعب ذبح من زمن طويل حتى انطبقت عليه أبيات المتنبي الشعرية عندما قال:

رماني الدهر بالأرزاء حتى //// فؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتني نبال //// تكسرت النصال على النصال
وهان فما أبالي بالرزايا //// لأني ما انتفعت بأن أبالي.

مقالات ذات صلة