الرأي

رأي في موضوع التوازن الشجاع.. بفرنسا!

محمد سليم قلالة
  • 925
  • 3
ح.م

لطالما دعا عقلاؤنا إلى ضرورة إيجاد نقطة توازن بين الفرقاء مهما كانت الخلافات بينهم، إلا أن معظم هذه الدعوات غالبا ما كانت تُستهجَن أو تُستصغَر إلى أن يلفها طي النسيان.. وحينها تكون تلك الدعوات المتشددة التي لا نهاية لها سوى المعادلة الصفرية التي تخسر فيها جميع الأطراف قد انتصرت.

ويلعب الطرف الخارجي في كثير من الأحيان دورا في هذا. لا يهدأ له بال إلى أن تشتعل النار داخليا بين إخوة البيت الواحد. حدث هذا عندنا في العشرية السوداء. وحدث بعدها عند غيرنا في سورية واليمن والعراق، ويسعون اليوم لإحداثه عند حدودنا الشرقية والغربية.

أما اليوم عندما باتت الأوضاع في فرنسا لا تُبشِّر بخير، وبدأت التصدعات في أكثر من جدار، وانتقل الصراع إلى داخل هذا البيت “الديمقراطي”، بدأت الأصوات تتعالى للحديث عن الحلول الوسطى والتوازن والاعتدال عندهم.

أصدر في الأسابيع السابقة قائد الأركان الفرنسية السابق الجنرال “دوفيليه” ، كتابا بعنوان “التوازن شجاعة”، وهو ثالث كتاب يصدره في ثلاث سنوات بعد “أن تكون في الخدمة” و”ما معنى قائد”. وهو مليء بالخوف على مستقبل بلده، بالحديث عن التوازن في كل شيء: بين الصرامة والانسانية، الواجب والحق، الحرية والأمن، الاحسان والشدة، القيمة الانسانية والتكنولوجية… الخ، لاستباق ما ينتظر المجتمع من أزمات وتصدعات باتت ملامحها تلوح في الأفق.

ولا شك أن نظرة مثل هذه ستكون صائبة لو حرصت على التوازن الشجاع في الداخل كما في الخارج، بين الأوروبيين كما بين الشعوب الإفريقية والآسيوية وفي امريكا اللاتينية، لا أن يقتصر ذلك على الشعوب الأوروبية لتصل إلى الرفاه، أما الشعوب الأخرى فيُنظَر لها إما أنها تبحث عن العودة لمنطق دولة القوة أو هي قريبة من الإرهاب كما جاء في حوار للمؤلف منذ يومين مع قناة RT F.

لقد اعتبر في هذا الحوار أن العالم الآن يعيش حالة اضطراب وتهديد نتيجة الإرهاب وكذلك نتيجة بزوغ ما أسماه بدول القوة، تلك “الإمبراطوريات القديمة التي تحاول استعادة أمجادها الضائعة”. ويقصد بلا شك إمبراطوريات الصين وروسيا وتركيا، أي مجموعة الدول الصاعدة اليوم الموجودة خارج دائرة الحضارة الغربية.

وفي هذا خروج واضح على “شجاعة التوازن” التي يتحدث عنها. وتفكير بمنطق الجنرال “ليوتي” في كتابه “الدور الاجتماعي للضابط” الذي يعتبره المؤلف كتابه المفضل، ذلك أن التوازن الشجاع ينبغي أن يكون شاملا أو لا يكون. ينبغي أن يمس كل العالم أو لا يكون. إذ أنه لا يعقل أن تتم الدعوة إلى التوازن الشجاع داخل بلد مثل فرنسا، وفي نفس الوقت يتم إرسال قوتها العسكرية إلى مالي أو دول الساحل أو أفغانستان أو الخليج أو سوريا، لإحداث الاضطراب فضلا عن الشقيقة ليبيا التي تم تحطيمها بلا توازن… أو تتم الدعوة من قبل البرلمان الفرنسي لتشجيع انفصال إقليم “ناغورني قرة باخ” بإقامة دولة مستقلة، لتقويض اتفاق السلم المقبول من جميع الأطراف، والدفع من جديد نحو الاقتتال والحرب لبيع مزيد من السلاح بعيدا عن كل توازن. ناهيك عن محاولة إشعال نار الفتنة على حدودنا الغربية لمنع أي تسوية سلمية للنزاع بين جبهة البوليساريو والمملكة المغربية.

كل هذه المواقف تؤكد بشكل واضح ثنائية التفكير لدى الكثير من القادة الغربيين، بين أن يتعلق الأمر ببلدانهم أو الدائرة الحضارية التي ينتمون إليها، وبقية العالم. لا يستوي الأمران ولا توازن في ذلك. وهذا ما ينبغي التخلص منه إذا كانت الغاية بالفعل هي تحقيق توازن شجاع. إننا لا يمكن الفصل اليوم بين ما يحدث من اضطراب داخل المجتمع الفرنسي وتلك الاضطرابات التي يتم تحريكها عبر العالم. هناك علاقة مباشرة من الدرجة الرابعة أو الخامسة ربما، ولكنها بالضرورة موجودة. التوازن الشجاع يكون عالميا وللجميع، أو لا يكون.

مقالات ذات صلة