رؤساء فرنسا يصرّون على المدن التاريخية وحساسية مغربية من كل زيارة
تواجد أزيد عن مائة إعلامي فرنسي وغيرهم من كل دول العالم لتغطية الزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي فرانسوا هولند إلى الجزائر، يؤكد أن أي زيارة يقوم بها أي رئيس جزائري إلى فرنسا أو أي رئيس فرنسي إلى الجزائر لا تُعتبر حدثا في البلدين أو القارتين الأوروبية والإفريقية فقط، وإنما في كل دول العالم، بسبب الإرث التاريخي الذي يربط البلدين وثقله، ليس بعد الاستقلال وإنما منذ العهد الاستعماري، إذ بمجرد تعيين الجنرال شارل ديغول رئيسا لفرنسا عام 1958حتى كان أول عمل قام به هو زيارة الجزائر، حيث تجوّل من غربها إلى شرقها وزار حتى المداشر الساخنة في آخر محاولة لرئيس فرنسي لأجل الاحتفاظ ببلد رفض الاستعمار، لأجل ذلك بعد حصول الجزائر على استقلالها كان على البلدين أن ينتظرا 13 سنة كاملة حتى تكون أول زيارة لرئيس فرنسي إلى الجزائر، وأكثر من عشرين سنة حتى يزور أول رئيس جزائري فرنسا.
بومدين يستقبل جيسكار ديستان لأول مرة
مرت فترة قيادة أحمد بن بلة للجزائر بيضاء من دون أية علاقة على مستوى زيارات الرؤساء، حيث استقبل أحمد بن بلة عددا من الرؤساء ومنهم حتى رئيس الصين، وقام بزيارات غالبيتها إلى الدول العربية، ولم يكن مطروحا أبدا في عهده أن يزور رئيس فرنسي الجزائر أو العكس، وحتى فترة الرئيس الراحل هواري بومدين كانت بدايتها جافة، وانتظر الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان قرابة العشر سنوات من حكم بومدين لأجل القيام بزيارة الجزائر وهي الزيارة التاريخية التي استقبل فيها بومدين الرئيس الفرنسي في مطار الدار البيضاء سابقا في العاشر من شهر أفريل عام 1975 حيث مكث الرئيس الفرنسي في الجزائر مدة ثلاثة أيام توجّه فيها إلى مدينة قسنطينة كما فعل شارل ديغول أيضا ومن لحقهما في الألفية الجديدة نيكولا ساركوزي، ولم يستحسن المغرب هذه الزيارة.
ورغم زيارة جيسكار ديستان إلا أن بومدين واصل تأميم كل خيرات الجزائر، حيث قام في شهر ديسمبر أي بعد ثمانية أشهر من زيارة الرئيس بتأميم كل المصانع الفرنسية الكبرى المتواجدة في الجزائر مثل ميشلان وتوتال وماشا ليطرد بصفة نهائية الفرنسيين من الجزائر، ويُحسب لبومدين أنه رفض رد الزيارة بالرغم من الدعوة التي وصلته من الإيليزيه، ورحل بومدين دون أن تطأ قدماه باريس.
.
ميتران زار الجزائر ثلاث مرات
وحتى عندما تولى الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد قيادة الجزائر، ظلت باريس مستعصية على الرؤساء الجزائريين، وبدأت نظرة الغرام كالعادة من فرنسا حيث بدأ الزيارة فرانسوا ميتران في 30 نوفمبر1981، ولكن يُحسب للشاذلي بن جديد تمكنه من فتح هذا الملف التاريخي الوثائقي الشائك، وبالرغم من هذه الزيارة فإن الشاذلي بن جديد بقي مترددا عن زيارة باريس إلى غاية توقف ميتران مرة أخرى في مطار هواري بومدين بعد أن كان في رحلة إفريقية وتنقل إلى مطار هواري بومدين، الرئيس الشاذلي لاستقباله وهذا في 19 ماي 1982 وتلت هذه الزيارة إمضاء بروتوكول اتفاق بين البلدين في شهر جوان، ليقوم بعد ذلك الرئيس الشاذلي بن جديد في 17 ديسمبر 1982 بأول زيارة لرئيس جزائري إلى فرنسا أي بعد عشرين سنة وخمسة أشهر وهي الزيارة التي غطاها أزيد عن ألف إعلامي من كل بلدان المعمورة في رقم قياسي لم يسبق وأن شهدته فرنسا، ولعب ميتران في تلك الزيارة دورا في تقريب وجهات النظر بين الجزائر والمغرب.
ولم تمض سوى بضعة أسابيع أي في فيفري 1983 حتى قام الشاذلي بن جديد بزيارة الرباط والالتقاء بالملك الحسن الثاني، وعاد ميتران في 19 أكتوبر من عام 1984 لزيارة الجزائر بعد معاودة انتخاب الشاذلي بن جديد لعهدة انتخابية ثانية، وبحث الرئيس الفرنسي مع نظيره الجزائري قضية الغاز، ثم جاءت ثالث وآخر زيارة للرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران وهو الرئيس الأكثر زيارة للجزائر في التاسع من مارس 1989 بعد أحداث 1988 ودخلت الجزائر في التسعينيات زمن الدم والموت وانقطعت الزيارات بين الطرفين نهائيا في عهود علي كافي ومحمد بوضياف واليمين زروال.
.
بوتفليقة يعيد الحراك السياسي بين البلدين
مع تولي الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قيادة الجزائر نهاية القرن الماضي وتولي أحمد بن بيتور حمل حقيبة الوزارة الأولى قام عبد العزيز بوتفليقة بأول زيارة إلى باريس دامت يومين في 16 و17 جوان من عام 2000 زيارة أخذت أبعادا سياسية وثقافية وتاريخية وأيضا اقتصادية، وطالت عودة الرؤساء الفرنسيين إلى الجزائر بعد عودة الهدوء الأمني إلى غاية شهر مارس من عام 2003 حيث وصل جاك شيراك إلى العاصمة الجزائرية في الثاني من شهر مارس، ومكث إلى غاية الرابع من ذات الشهر، ورغم أن بوتفليقة عاد إلى باريس إلا أن الزيارة الأكثر إثارة لرئيس فرنسي إلى الجزائر هي التي قام بها الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي في ديسمبر من عام 2007 حيث زار قسنطينة وكان في استقباله رئيس بلدية قسنطينة السابق وهو عبد الحميد شيبان ابن العلامة الراحل ورئيس جمعية العلماء المسلمين عبد الرحمان شيبان.
.
لماذا قسنطينة وتلمسان؟
يُنتظر أن يحط الرئيس الفرنسي فرانسوا هولند رحاله في عاصمة الزيانيين تلمسان، ويبقى السؤال المطروح هو لماذا تكون زيارة الرؤساء الفرنسيين للمدن التاريخية دون غيرها من المدن، حيث أصرّ فاليري جيسكار ديستان عام 1975 على زيارة قسنطينة وتبعه الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، وحتى الجنرال ديغول زار كل المدن التاريخية، وهي المدن التي قاومت الاستعمار الفرنسي بقوة ووجد صعوبة في التواجد فيها، كما أن الرؤساء الجزائريين تُبهجهم زيارة الرؤساء الفرنسيين لهذه الحواضر التي تقدّم وجها أبعد ما يكون عن الغرب خاصة من الناحية العمرانية، وتراثها ومواقعها الأثرية لا علاقة لها بالحقبة الفرنسية في الجزائر، كما أن كل ما يقدم من ألبسة تقليدية أو أطباق غذائية وحلويات وهدايا للضيوف الفرنسيين لها طابع شرقي يجعل زائر هاتين المدينتين يحس أن فرنسا لم تمر عبرهما رغم أن قسنطينة وتلمسان لا تحظيان حاليا بأي استثمار فرنسي مهم وكل مشاريع الاستثمار الصناعي الفرنسي تذهب للعاصمة ووهران وحتى عنابة مثل أرسيلور ميتال ورونو وغيرها من المشاريع الصناعية الكبرى.