الرأي
وفق منظور "مشروع المدرسة الخضراء":

رؤية تحليلية علاجية لظاهرة رمي الكراريس

عومر بن عودة
  • 158
  • 0
صور: ح. م/ تركيب: الشروق أونلاين

في كلّ نهاية سنة دراسية، لا يقتصر المشهد داخل المؤسسات التربوية على إعلان النتائج أو تبادل عبارات الوداع، بل يتكرّر سلوك لافت يثير الانتباه والقلق معًا: أكوام من الكراريس الممزّقة تتناثر في الساحات، وصفحاتٌ كانت تحمل آثار الجهد والتعلّم تتحوّل في لحظات إلى بقايا مهملة.

مشهد يبدو في ظاهره عفويًا واحتفاليًا، لكنه في عمقه يحمل دلالات أعمق تتعلّق بعلاقة التلميذ بالمدرسة، وبالطريقة التي ينظر بها إلى المعرفة والقيم التربوية. فهل هي مجرد لحظة تفريغ وانفلات بعد عام من التعب؟ أم أنها مؤشر على اختلالات أعمق داخل المنظومة التعليمية؟ من هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة تحليلية تفكّك طبيعة هذه الظاهرة وتكشف أبعادها المختلفة.

وتُعدّ هذه الظاهرة من السلوكيات المتكرّرة في الوسط المدرسي، والتي تستدعي قراءة تحليلية عميقة تتجاوز ظاهرها البسيط إلى فهم أبعادها النفسية والتربوية والاجتماعية. فهي ليست مجرد فعل عابر، بل تعبير رمزي مركّب يعكس علاقة التلميذ بالمدرسة والمعرفة:

1_ الظاهرة كسلوك جماعي موسمي: تتّسم هذه الظاهرة بكونها سلوكًا جماعيًا يظهر بشكل موسمي، غالبًا مع نهاية السنة الدراسية أو بعد آخر اختبار. إذ يندفع عدد كبير من التلاميذ إلى تمزيق الكراريس ورميها في الساحات أو خارج المؤسسات التعليمية. هذا الطابع الجماعي يعزّز من انتشارها، حيث يخضع التلميذ لما يُعرف بـ”عدوى السلوك”، فيقلّد أقرانه دون تفكير نقدي في عواقب الفعل.

2_ الظاهرة كتفريغ نفسي وانفعالي: يمكن فهم هذا السلوك من منظور علم النفس التربوي باعتباره وسيلة لتفريغ التوتر والضغط الذي تراكم طوال السنة الدراسية. فالتلميذ الذي عاش ضغط الاختبارات والتقييمات يجد في هذا الفعل نوعًا من التحرر الرمزي من عبء الدراسة. وهنا تتحول الكراريس من أداة تعلم إلى رمز للضغط، فيسعى للتخلص منها بشكل احتفالي.

3_ الظاهرة كتمثّل سلبي للمعرفة: تعكس هذه الممارسة في عمقها خللًا في تمثّل التلميذ للمعرفة، حيث لا يُنظر إلى الكراس كوسيلة لبناء الذات وتنمية الفكر، بل كعبء مرحلي ينتهي بانتهاء السنة. وهذا يدل على ضعف في ترسيخ القيم التربوية المرتبطة بالعلم، مثل الاستمرارية، والتراكم المعرفي، والاحترام الرمزي للكتاب.

4_ الظاهرة كفعل احتجاجي غير واعٍ : في بعض الحالات ، يمكن اعتبار رمي الكراريس شكلاً من أشكال الاحتجاج غير المباشر على المنظومة التعليمية. فقد يكون التلميذض11 غير راضٍ عن طرق التدريس، أو يشعر بعدم جدوى ما تعلّمه ، فيُعبّر عن رفضه بشكل رمزي من خلال تمزيق أدواته الدراسية.

5_ الظاهرة كإخلال بالقيم المدنية والبيئية: يتجاوز هذا السلوك الجانب الفردي ليشكّل إخلالًا بالقيم الجماعية، حيث يؤدي إلى تلويث المحيط المدرسي وإهدار الورق، ما يتنافى مع مبادئ المواطنة البيئية. كما يعكس ضعفًا في الوعي بأهمية الحفاظ على الممتلكات العامة واحترام الفضاء المشترك.

آثار الظاهرة:

تُخلّف ظاهرة رمي الكراريس آثارًا عميقة لا تقتصر على الفضاء المدرسي فحسب، بل تمتد لتطال بنية المجتمع الجزائري وقيمه، إذ تعكس في جوهرها اختلالًا في العلاقة مع المعرفة ومع الموارد، وتُنتج تداعيات تربوية واجتماعية واقتصادية متشابكة.

آثارها على المنظومة التربوية:

من أبرز هذه الآثار إضعاف قيمة التعلم في وعي التلميذ، حيث يتحول الكراس من سجل للمعرفة إلى شيء قابل للإتلاف، ما يُفقد العملية التعليمية أحد رموزها الأساسية ،  وفي هذا السياق، يؤكد المفكر جون ديوي أن: “ما نتعلمه يجب أن يكون له أثر في سلوكنا”، وهو ما يتناقض مع هذا السلوك كما تؤدي الظاهرة إلى إضعاف التعلم التراكمي، إذ يفقد التلميذ مرجعًا مهمًا يمكن العودة إليه في السنوات اللاحقة، خاصة في المواد الأساسية كالرياضيات والعلوم. وقد بيّنت دراسات تربوية أن التلاميذ الذين يحتفظون بدفاترهم ويعيدون مراجعتها يحققون نتائج أفضل بنسبة قد تصل إلى 25% مقارنة بغيرهم ، إضافة إلى ذلك، تساهم الظاهرة في تكريس السطحية في التحصيل العلمي، حيث يُنظر إلى التعلم كمرحلة مؤقتة مرتبطة بالاختبار فقط، لا كمسار مستمر. وهذا يتقاطع مع ما تشير إليه تقارير اليونسكو التي تحذر من أن ضعف الارتباط بالمعرفة يؤدي إلى تدني جودة التعليم على المدى البعيد ، ومن جهة أخرى  تُضعف الظاهرة العلاقة التربوية بين الأستاذ والتلميذ، إذ يشعر الأستاذ بأن جهده في متابعة الكراريس وتصحيحها يضيع سدى، ما قد يؤثر على دافعيته المهنية. وقد أظهرت بعض الاستطلاعات التربوية أن نسبة معتبرة من الأساتذة يعتبرون هذه الظاهرة مؤشرًا على تراجع احترام العمل المدرسي.

الآثار على المجتمع الجزائري:

على المستوى المجتمعي، تُسهم الظاهرة في ترسيخ ثقافة التبذير وعدم احترام الموارد، حيث يتعود التلميذ منذ الصغر على التخلص من أدوات لا تزال صالحة للاستعمال. وهذا السلوك قد يمتد إلى مجالات أخرى في حياته اليومية. وفي هذا الإطار، يرى عالم الاجتماع إميل دوركايم أن: “العادات التي يكتسبها الفرد في الصغر تصبح جزءًا من بنية المجتمع لاحقًا” ، أيضا تعكس الظاهرة تراجع القيم المرتبطة بالعلم والمعرفة، إذ لم يعد للدفتر تلك الرمزية التي كانت تجعله محل تقدير واعتزاز. وهذا ما أشار إليه المفكر مالك بن نبي بقوله: “الأزمة في جوهرها أزمة أفكار لا أشياء”، أي أن المشكلة تتجاوز السلوك إلى المنظومة القيمية.

ومن الناحية الاقتصادية والاجتماعية، تؤدي الظاهرة إلى هدر مالي جماعي تتحمله الأسر والدولة، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار العدد الكبير من التلاميذ. وتشير تقديرات تقريبية إلى أن تبذير جزء من الأدوات المدرسية سنويًا يمكن أن يمثل خسارة بمليارات الدينارات، وهو ما يثقل كاهل الاقتصاد الأسري والوطني.

كما تساهم الظاهرة في إضعاف الحس البيئي لدى الأفراد، حيث يؤدي رمي الكراريس بكميات كبيرة إلى زيادة النفايات الورقية، في وقت تتجه فيه السياسات العالمية إلى ترشيد الاستهلاك وإعادة التدوير. وقد دعت تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى تقليل النفايات الورقية باعتبارها من أبرز مصادر التلوث القابل للتفادي.

نقول أن  هذه الظاهرة تنتج صورة سلبية عن المدرسة في المخيال الاجتماعي، حيث تتحول نهاية السنة من محطة تقييم وتثمين للجهود إلى مشهد فوضوي يعكس غياب الانضباط. وهذا من شأنه أن يُضعف ثقة المجتمع في الدور التربوي للمؤسسة التعليمية.

إن آثار ظاهرة رمي الكراريس تتجاوز حدود السلوك الفردي لتلامس جوهر العملية التربوية والبنية القيمية للمجتمع الجزائري، ما يجعلها مؤشرًا دالًا على ضرورة إعادة الاعتبار للمدرسة كفضاء لبناء الإنسان الواعي، القادر على احترام المعرفة والموارد معًا.

رؤية علاجية:

تتطلب معالجة ظاهرة رمي الكراريس مقاربة شمولية تتجاوز الحلول الظرفية، نحو بناء رؤية علاجية متكاملة تعالج الجذور التربوية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية للسلوك، وتُعيد الاعتبار لقيمة المعرفة وأدواتها داخل المدرسة والمجتمع.

على المستوى التربوي (داخل المؤسسة التعليمية):

ينبغي العمل على إعادة بناء معنى التعلم لدى التلميذ، من خلال اعتماد بيداغوجيات نشطة تجعل الكراس أداة للفهم والتحليل لا مجرد وسيلة للنسخ. فكلما شعر التلميذ بأن ما يكتبه يعكس فكره وجهده، زادت رغبته في الحفاظ عليه. وفي هذا الإطار، يؤكد جون ديوي أن: “التعلم الحقيقي هو الذي يغير طريقة تفكيرنا وسلوكنا” ، كما يُستحسن إدماج الكراس في عملية التقييم المستمر، بحيث يصبح وثيقة مرجعية تُحتسب ضمن العلامة، لا مجرد دفتر مهمل. وقد أثبتت تجارب تربوية أن هذا الإجراء يرفع من اهتمام التلاميذ بدفاترهم بنسبة معتبرة ، إضافة إلى ذلك، يجب تعزيز التربية على القيم داخل القسم، عبر أنشطة موجهة تُبرز أهمية المحافظة على الأدوات المدرسية، وربطها بقيم المسؤولية والانضباط.

على المستوى الأسري:

تلعب الأسرة دورًا محوريًا في غرس قيمة العلم واحترام أدواته، من خلال متابعة الكراسات، وتشجيع الأبناء على الاحتفاظ بها وتنظيمها. فالتلميذ الذي يجد اهتمامًا منزليًا بما ينجزه، يطور علاقة إيجابية مع تعلمه ، كما ينبغي تعزيز التربية الاقتصادية داخل الأسرة، عبر توعية الأبناء بتكلفة الأدوات المدرسية، وأهمية ترشيد استهلاكها. وهنا يبرز قول مالك بن نبي: “القيمة الحقيقية للأشياء تنبع من وعي الإنسان بها”.

على المستوى الاجتماعي والإعلامي: 

من الضروري إطلاق حملات توعوية وطنية تُبرز مخاطر الظاهرة وآثارها، وتعمل على تغيير الصورة النمطية المرتبطة بنهاية السنة الدراسية. ويمكن لوسائل الإعلام أن تلعب دورًا في تحويل هذه المناسبة إلى لحظة تقييم واحتفاء بالإنجاز، بدل مظاهر الفوضى ، كما يُستحسن تثمين النماذج الإيجابية من التلاميذ الذين يحافظون على دفاترهم، عبر مسابقات أو مبادرات مدرسية، بما يعزز ثقافة القدوة داخل المجتمع.

على المستوى الثقافي:

تتطلب المعالجة إعادة الاعتبار للكتاب والكتابة في الوعي الجمعي، من خلال تشجيع القراءة، وربط التعلم بالحياة اليومية. فكلما ارتبط التلميذ بالمعرفة خارج المدرسة، زادت قيمة الكراس لديه ، وفي هذا السياق، يقول أنطونيو غرامشي: “الثقافة هي التي تصنع سلوك الإنسان قبل القوانين”، ما يؤكد أن التغيير الحقيقي يبدأ من ترسيخ القيم.

على المستوى الاقتصادي والبيئي:

يمكن اعتماد مبادرات عملية مثل إعادة تدوير الكراريس أو استغلال الصفحات غير المستعملة، ما يُنمّي لدى التلميذ حس المسؤولية البيئية والاقتصادية. وقد دعت تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى تعزيز ثقافة إعادة التدوير داخل المؤسسات التعليمية للحد من النفايات ، كما يمكن التفكير في تنظيم حملات جمع الكراريس المستعملة وإعادة توظيفها، سواء لأغراض تعليمية أو خيرية، ما يحول السلوك السلبي إلى فرصة تربوية إيجابية.

على مستوى السياسة التربوية:

من المهم أن تتبنى الجهات الوصية سياسات واضحة للحد من الظاهرة، مثل إدراج أنشطة نهاية السنة ذات طابع تربوي، أو إصدار توجيهات تنظيمية تمنع هذه السلوكات داخل المؤسسات.

وفي هذا السياق، سعت وزارة التربية الوطنية إلى الحد من هذه الظاهرة بشكل تدريجي، من خلال مراسلات دورية موجّهة إلى مديريات التربية، تؤكد فيها على ضرورة التصدي لسلوك رمي الكراريس، خاصة مع اقتراب نهاية السنة الدراسية ، وهو ما نثمنه كمهتمين بشؤون التربية ، وقد تضمنت هذه المراسلات جملة من التوجيهات العملية، من بينها تكثيف الحملات التحسيسية داخل المؤسسات التربوية، وإشراك مختلف الفاعلين في قطاع التربية الوطنية ، من أساتذة ومديرين ومفتشين ، وجمعيات أولياء التلاميذ ، في ترسيخ ثقافة المحافظة على الأدوات المدرسية.

إطلاق الطبعة الثانية لحملة استرجاع الكراريس المستعملة

كما نجد أن الوصاية عملت في هذا الصدد على تشجيع المؤسسات التعليمية على تبني مبادرات تربوية مرافقة، مثل تنظيم أنشطة توعوية حول أهمية الكراس كأداة للتعلم والتراكم المعرفي ، وربط ذلك بقيم المواطنة البيئية والاقتصادية ، إضافة إلى دعم النوادي الثقافية ، خاصة البيئية منها، لتأطير حملات ميدانية تُعنى بإعادة استعمال الكراريس أو جمعها وتوجيهها لأغراض تربوية أو تضامنية.

ولم تقتصر هذه الجهود على الجانب التوعوي، بل تم التأكيد أيضًا على ضرورة تفعيل القوانين الداخلية للمؤسسات، واتخاذ الإجراءات المناسبة ضد السلوكات التي تمس بحرمة الفضاء المدرسي، بما يضمن الحفاظ على النظام والانضباط.

وتعكس هذه المقاربة توجهًا نحو معالجة الظاهرة بأسلوب متكامل يجمع بين التوعية والتنظيم ، ويهدف إلى إحداث تغيير تدريجي في سلوك التلميذ ، من خلال ترسيخ وعيه بقيمة المعرفة وأدواتها.

كما يمكن كمقترح إطلاق مشروع “المدرسة الخضراء” التي تربط بين التربية والتعليم والتنمية المستدامة ، بما يعزز سلوك المحافظة على الموارد.

إن مواجهة ظاهرة رمي الكراريس لا تكون بالمنع فقط، بل بإعادة بناء وعي التلميذ بقيمة ما يتعلمه، وتحويل الكراس من عبء مدرسي إلى رصيد معرفي يُعتز به. فالمعالجة الحقيقية تبدأ من تغيير النظرة، قبل تغيير السلوك، وبناء إنسان يُقدّر العلم ويحسن استثمار موارده.

مقالات ذات صلة