الرأي

رؤية حول تعديل القانون الأساسي لقطاع التربية

بقلم: يزيد بوعنان
  • 1300
  • 0

أثار فتح ملف تعديل المرسوم التنفيذي 12-240 المعدِّل والمتمِّم للمرسوم التنفيذي 08-315 والمتضمن القانون الأساسي الخاص بأسلاك التربية الوطنية جدلا واسعا وآراء متعددة ومتناقضة بين مختلف النقابات والشركاء الفاعلين في القطاع، ومن بين النقاط التي شكلت محورا للنقاش هي الفلسفة التي اعتمدت في القانون الأساسي المعدَّل سنة 2012 والتي تسمى فلسفة التوازي بين مسارين: بيداغوجي – إداري، والتي فرضت آنذاك بضغط من طرف إحدى النقابات وبتأييد بعض لإطارات المركزية في الوزارة وعلى رأسهم أحد الإطارات الذي كان مسؤولا نقابيا في إحدى نقابات الأساتذة قبل تقلده لمنصب مدير مركزي في تلك الفترة.

لقد تسببت تلك الفلسفة المعتمَدة في الكثير من الاختلالات والمشاكل والاجحافات في حق الكثير من الفئات، ورغم تنبيهات الكثير واحتجاجات بعض الأسلاك على تلك الفلسفة، إلا أن الوزارة لم تتمكن من مراجعة القانون إلى غاية اللحظة، وهذه النقطة بالذات هي من بين الإشكاليات التي تواجهها الوزارة في تعديل القانون الأساسي الخاص الذي فُتحت بشأنه ورشات ونُصِّبت لجنة تقنية وأخرى مشتركة بين الوزارة والنقابات لمعالجة الاختلالات وإعداد قانون جديد ينصف جميع الأسلاك ويقضي على الاختلالات التي مست الكثير من الأسلاك.

فلسفة التوازي خاطئة وغير قانونية:

إن فلسفة التوازي والتساوي المعتمدة في المرسوم التنفيذي 12/240 المتضمن القانون الأساسي الخاص بأسلاك التربية الوطنية هي فلسفة خاطئة وغير قانونية بالمرّة وذلك وبالرجوع إلى بعض القوانين المرجعية ومن بينها الأمر الرئاسي 06/03 المتضمن قانون الوظيفة العمومية أو القانون 08/04 المتضمن القانون التوجيهي للتربية وغيرها من القوانين الأخرى التي نجد أنها تتحدث بطريقة واضحة على ضرورة اعتماد فلسفة البناء الهرمي للقوانين الخاصة بالمناصب والمسؤوليات.

أنا مدير مؤسسة يمارس مهامه وسلطته على جميع الموظفين والعاملين بالمؤسسة، وهو المسؤول عن كل صغيرة وكبيرة بهذه المؤسسة، وقد جاء في المادة 23 من القانون 08-04 المتضمن القانون التوجيهي للتربية: (يمارس مديرو المؤسسات التربوية باعتبارهم موظفين للدولة موكلين من طرفها سلطتهم على جميع المستخدمين المعينين أو الموضوعين تحت التصرف ويتحملون مسؤولية الأداء المنتظم لمهام المؤسسة التي كُلّفوا بإدارتها وهم مسؤولون على حفظ الأمن وسلامة الأشخاص والممتلكات وهم مؤهّلون في حالة وجود صعوبات باتخاذ الإجراءات المناسبة لضمان السير الحسن للمؤسسة).

وجاء في المادة 63 من القرار الوزاري 65 المتضمن نظام الجماعة التربوية: (يخضع جميع الموظفين العاملين بالمؤسسة التربوية إلى سلطة المدير وهو الرئيس الهرمي لهم طبقا للتنظيم المعمول به).

وهناك مواد أخرى كثيرة في قوانين أخرى تبين أن فلسفة التوازي والتساوي فلسفة خاطئة ولا وجود لها في قطاع التربية وحتى في قطاعات أخرى، وعليه فإن أي دعوة أو تحذير لعدم المساس بفلسفة التوازي المعتمدة في القانون الخاص بأسلاك التربية منذ 2012 والتي أحدثت اختلالات كبيرة هي دعوة غير قانونية ومتناقضة مع روح ومضمون العديد من المواد في النصوص القانونية المرجعية التي يجب اعتمادها في أيِّ تعديل لهذا القانون خاصة القانون التوجيهي للتربية الذي يعدُّ دستورا لكل القوانين التي تصدر في قطاع التربية الوطنية والتي يجب ألا تتناقض مع مضمونه وروحه.

وعلاوة على ذلك فإن التوازي والتساوي المزعوم في الترقية يتطلب تساويا في الشهادة ومسارات التكوين وساعات العمل وفي المسؤوليات والمهام والصلاحيات، وهو ما لا يمكن تحقيقه على الإطلاق.

إن فلسفة التوازي المعتمدة في القانون الخاص منذ 2012 علاوة على عدم قانونيتها وتناقضها مع مضمون وروح الكثير من القوانين المرجعية وعلى رأسها القانون التوجيهي للتربية وقانون الوظيفة العمومية قد تسببت في اختلالات ومظالم مست الكثير من الأسلاك الإدارية مثل سلك النظار وسلك مستشاري التربية، وأدت إلى عزوف الكثير من الإطارات والأساتذة عن المشاركة في الترقية إلى هذا المنصب أو ذاك مما أنتج عجزا كبيرا في هذه المناصب وصل إلى مئات وربما آلاف المناصب عبر مختلف الولايات وهو ما أثر سلبا على السير الحسن للمؤسسات التربوية خاصة الثانويات والمتوسطات.

بالإضافة إلى أن فلسفة التوازي الظالمة وغير القانونية سمحت للكثير من الأساتذة بالترقية إلى مناصب إدارية وهم يفتقرون إلى الخبرة الضرورية والحنكة التي تمكّنهم من أداء مهامهم في هذه المناصب الجديدة وحرمت بالمقابل الكثير من الأساتذة من ذوي الخبرة والتجربة من تقلد هذه المناصب بل وفرضت عليهم ضرورة البقاء في مهنة التدريس طوال مسارهم المهني بالرغم من أن بعضهم لهم الرغبة والقدرة والإمكانات لتولي هذه المناصب بامتياز وبإمكانهم تقديم إضافات نوعية لها.

فلسفة التوازي المعتمدة في القانون الخاص منذ 2012 علاوة على عدم قانونيتها وتناقضها مع مضمون وروح الكثير من القوانين المرجعية وعلى رأسها القانون التوجيهي للتربية وقانون الوظيفة العمومية قد تسببت في اختلالات ومظالم مست الكثير من الأسلاك الإدارية مثل سلك النظار وسلك مستشاري التربية، وأدت إلى عزوف الكثير من الإطارات والأساتذة عن المشاركة في الترقية إلى هذا المنصب أو ذاك مما أنتج عجزا كبيرا في هذه المناصب وصل إلى مئات وربما آلاف المناصب عبر مختلف الولايات.

إنّ المكسب الحقيقي الذي يجب أن تدافع عنه النقابات هو وجود مسارات مختلفة ومتعددة ومتقاطعة للترقية وبتصنيفات ومنح وتعويضات محترمة وليس بالتشبُّث بفلسفة التوازي الخاطئة وغير القانونية والظالمة والمجحفة، أما التمسك بفلسفة ترفضها كل الأسلاك -باستثناء نقابة فئوية أو اثنتين- والتحذير من المساس بهذه الفلسفة فهو تعصُّبٌ وتقوقع لن يأتي بأي إضافة وسوف يجعل الوزارة في حِلٍّ من أمرها لأنها سوف تستثمر في مثل هذه الآراء المتناقضة وغير المجدية، وحتى القوانين الأساسية الخاصة لدى بعض البلدان سواء الغربية منها أو العربية لم تعتمد على هذه الفلسفة بل ان قوانينها تعطي لكل ذي حق حقه بعيدا عن التوازي أو التساوي وذلك حسب المهام والمسؤوليات والصلاحيات ومسارات التكوين والترقية المختلفة.

نحو قانون عادل يثمن كافة المسارات:

النقابات مطالبة إذن بتقديم رؤية أكثر نفعا وفائدة لعمال القطاع والتركيز على العناصر والاقتراحات التي تُلزم الوصاية بتحسين أوضاع القطاع وليس على القضايا التي تبقي الإطارات والموظفين والعمال يعيشون الفقر والفاقة ويتساوون فيها.

والقانون الأساسي المنتظر نريده قانونا عادلاً ومنصفا يثمِّن جميع المسارات ويثمِّن المهام والصلاحيات والمسؤوليات التي يمنحها القانون لكل فئة على حدى؛ لأن هناك اختلافا كبيرا في المسارات والمهام والمسؤوليات والصلاحيات بين هذه الفئة وتلك، ولذلك يجب أن يتجسد هذا الاختلاف البيِّن في التصنيف والمِنح والعلاوات، والنقابات المعتمدة في قطاع التربية مطالبة بإيجاد أرضية مشتركة من أجل إعادة الاعتبار لجميع العمال والموظفين والإطارات، أما التعنُّت والتعصُّب والنرجسية والمقارنات والتهديد بعدم المساس بما يسمُّونها “مكتسبات” مثل فلسفة التوازي غير القانونية فإنه لن يقدم ولن يؤخر في الأمر شيئا لأن المكسب الحقيقي هو فتح باب الترقيات المتعددة للأستاذ والموظف وبطرق سهلة ومرنة كما هو معمول به في قطاعات أخرى وليس فرض فلسفة تسببت في اختلالات كبيرة وتسببت في مشاكل لاحصر لها في تسيير المؤسسة التربوية، وإذا كان هناك نقابة تهدد بعدم المساس بفلسفة التوازي -وأضافت لها التساوي- فإن هناك الكثير من النقابات تهدد بالمقابل بضرورة تصحيح هذه الفلسفة لأنها خاطئة وغير قانونية وظالمة وليست عادلة، وحينها فإن الوزارة سوف تمرر ما تشاء لأنها سوف تستثمر في هذا الخلاف كما يحلو لها أن تستثمر، وسوف تمرر ما تشاء من التعديلات، ثم أن القول إن فلسفة التوازي خط أحمر هي لغة غير مقبولة في العُرف النقابي والتفاوضي فما دام الوزارة منفتحة على كل الآراء والنقاشات يجب استغلال الفرصة لتصحيح كافة الاختلالات وتحقيق مكاسب لعمال القطاع مع احترام القوانين المعتمَدة وسائرة المفعول.

مقالات ذات صلة