الرأي

ربع قرن من الصداقة

هناك محطات لا يمكن للمرء أن ينساها، إذا ارتبطت بمسار حياته، أو ببداية صداقة تعمّر بعد ذلك لمدة ربع قرن، فما بالك أن يكونا معا.

كانت البداية في شتاء 1994، عندما كنت في ملتقى الدروب بين مواصلة مغامرة الصحافة التي لم تجمعني بها غير قصة حب من دون دراسة، أو العودة إلى اختصاصي كجرّاح أسنان، فدخلت على الرجل، من دون بروتوكولات ولا حواجز بشرية تعوّدت أن أجدها في طريقي لملاقاة أي مدير في الجزائر، مهما كان حجمه، وكان حينها مديرا لأسبوعية الشروق العربي التي حطمت في ذلك الوقت رقما قياسيا في السحب تجاوز الثلث مليون نسخة، كان أول ما فتح شهيتي في الانضمام إلى أسرة الشروق العربي بساطة الأخ علي فوضيل، وتلقائيته، حتى ظننت أنني اخطأت العنوان، أذكر أنني حملت حينها ملفا من الأوراق بها حوار مع البطلة حسيبة بوالمرقة التي عادت بذهبية الألعاب الأولمبية من برشلونة، وآخر مع عثمان عريوات مفجر فيلم كرنفال في دشرة في ذلك الوقت، ولم يكن حينها جبروت الانترنت قد تمكن من عالم الصحافة، فاستقبل الصفحات بفرح كبير، ووضعها فوق جبل من الأوراق كانت تناطح السحاب على مكتبه، في فوضى جميلة، كان برفقتي فنان كوميدي من مدرسة مسرح قسنطينة هو المرحوم رمضان صبوري، فطلب مني أخي علي فوضيل أن أجري معه حوارا، بعد أن لاحظ خفة ظله، وغادرت مكتبه وأنا على يقين بأن ما قدمته من مادة، ستنشر في الأعداد القادمة من أسبوعية الشروق العربي.

ومرت الأسابيع ومعها أعداد الشروق العربي، ولا سطرا من المواضيع التي قدمتها للأخ علي فوضيل نُشر، وعندما جمعتني الصدفة به مرة أخرى وسألته عن مصير تلك المواضيع، ضحك وأخبرني بأنه أضاعها في جبل الأوراق التي كانت “تزيّن” مكتبه، وألحّ علي على كتابة مواضيع أخرى، وبدأت علاقة إعلامية وأخوية لم تزعزعها العواصف التي هبّت على بيت الإعلام الجزائري، وظننت بعد مرور قرابة ربع قرن من العمل في الشروق العربي والشروق اليومي وقنوات الشروق، بأنني وفيّ للإعلام، وأنا في الحقيقة وفي لصداقة قوية، كانت تسعدني أيما سعادة، والآن ستشقيني أيما شقاء.

كنا في بداية مولود الشروق نحتفي مثل الأطفال بالفتوحات الإعلامية والانتصارات التي كنا نحققها، كانت المسافة المكانية بيننا، ما بين العاصمة وقسنطينة تبلغ قرابة 500 كلم، وكان التواصل اليومي يوحي أننا نعمل في مكتب واحد. التقينا في مدن كثيرة، وحتى خارج الوطن، ولا أكاد أذكر خلافا كبيرا فرقنا في ميدان الإعلام، ولحزن حظي، أن لقاء رفقة مراسلي الشرق الجزائري كان يطبخ بيننا، على أن نلتقي قريبا، ولكن الموت نسفته.

صعب أن تتحدث عن صديق عايشت معه مرّ وحلو الصحافة والحياة، لمدة زادت عن ربع قرن، فالحديث هنا يصبح أنا وذاتية، ولكن ما ميزه أنه كان كتلة صبر لا مثيل لها، فقد كان كلما حقق نجاحا إلا ووجد حواجز مزيفة، وأخرى حقيقية، تحاول إحباطه، فدخل السجن في حضرة الشروق العربي وعوقب بالمنع والتفقير في حضرة الشروق اليومي، وتعرض لتعزير المخابرات في زمن تلفزيون الشروق، كتلة صبر وصمود نادرا ما يتحلى به أي إنسان في الدنيا.

لا أدري كيف سيكون طعم الصحافة بعد رحيل علي فوضيل، فقد غادر وأخذ معه خلطة النجاح التي بصمت نجاحاته، عندما دخل الصحافة الأسبوعية المنوعة، فحطم بها الأرقام القياسية، وخاض اليوميات السياسية، فبلغ رقما لم تحققه كبريات اليوميات في العالم بمليوني نسخة لجريدة الشروق اليومي، وغادرنا، وتلفزيون الشروق في المركز الأول وطنيا. لا أدري إن كانت الصحافة الجزائرية ستنزع بعد رحيله السواد، الذي صبغتها فاجعة وفاة صديق العمر علي فوضيل.

مقالات ذات صلة